العرب والعالم

ترامب يشكر إيران: كيف منعت “رسالة سرية” ضربة عسكرية أمريكية؟

في تحول دراماتيكي للمشهد السياسي، وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسالة شكر علنية للقيادة الإيرانية عبر منصة “تروث سوشيال” يوم الجمعة، تقديراً لقرارها إلغاء 800 عملية إعدام كانت مقررة بحق محتجين، هذا التقارب المفاجئ جاء ثمرة قنوات اتصال مباشرة قادها المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، الذي نقل تحذيراً شديد اللهجة من ترامب بشن ضربة عسكرية حال تنفيذ الإعدامات وبينما أعلن ترامب تراجعه عن الخيار العسكري كـ “مكافأة” لهذا التنازل، تظل ملفات التخصيب، الصواريخ، والوكلاء معلقة على حبال مفاوضات دبلوماسية قادمة تفرضها ظروف طهران الاقتصادية الخانقة.

حينما تخضع “القوة غير القابلة للطعن” الخصوم

لم تكن كلمة “شكراً” التي أطلقها ترامب مجرد مجاملة بروتوكولية، بل كانت إعلاناً عن نجاح استراتيجية “الضغط الأقصى المباشر”، فوفقاً للمعلومات المسربة، كانت المنطقة على بعد ساعات من صدام عسكري وشيك، بعد أن هدد ترامب بالتدخل لحماية المحتجين الإيرانيين، لكن التحرك السريع للمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، الذي تواصل مباشرة مع الإيرانيين، وضع طهران أمام خيارين أحلاهما مر: المضي قدماً في قمع الداخل ومواجهة القوة الأمريكية الغاشمة، أو التراجع وفتح ثغرة للدبلوماسية.

جاء رد الفعل الإيراني سريعاً عبر وزير الخارجية عباس عراقجي، الذي أكد لشبكة “فوكس نيوز” تجميد الإعدامات بالكامل، في محاولة لامتصاص الغضب الأمريكي، هذا التنازل الإيراني لا ينبع من تغير في الأيديولوجيا، بل من واقع اقتصادي مرير؛ حيث تعاني البلاد من “عطش طاقوي” متمثل في انقطاع المياه والكهرباء لساعات طويلة، وتضخم تجاوز حاجز الـ 50%، مما جعل النظام يدرك أن الصدام مع ترامب في هذه اللحظة قد يعني الانهيار الكامل.

خلف ستار الشكر المتبادل، نحن نشهد ولادة نموذج ترامب 2026 في التعامل مع الأزمات الدولية، هذا النموذج يعتمد على “المقايضة اللحظية”؛ أي تحقيق مكاسب حقوقية أو سياسية سريعة مقابل تجنب تصعيد عسكري مكلف، ما يهم القارئ هنا هو إدراك أن ترامب لا يسعى بالضرورة لقلب النظام الإيراني عسكرياً في الوقت الراهن، بل لـ “ترويضه” عبر استنزاف قدرته على المناورة داخل ملفاته الأربعة الكبرى (اليورانيوم، الصواريخ، الوكلاء، والداخل).

إن “الرسالة المباشرة” للمتظاهرين الإيرانيين ووصفتهم بـ “الشجعان” تظهر أن واشنطن لن تتخلى عن ورقة الضغط الشعبي، بل ستستخدمها كأداة تفاوضية، بالنسبة للمتابع الإيراني أو الإقليمي، هذا يعني أن الهدوء الحالي هو “هدنة هشة”؛ فإيران اشترت الوقت بإلغاء الإعدامات، لكن الثمن الحقيقي سيدفع على طاولة مفاوضات تخصيب اليورانيوم، حيث لن يقبل ترامب بأقل من “تفكيك شامل” للطموحات النووية مقابل رفع الخناق الاقتصادي.

تُعيدنا هذه الحادثة بالذاكرة إلى بدايات عام 2020، حينما بلغت التوترات ذروتها بعد مقتل قاسم سليماني، وكيف كانت الرسائل المتبادلة عبر “الوسطاء” تمنع انزلاق المنطقة لحرب شاملة، لكن الفرق الجوهري اليوم في عام 2026 يكمن في علنية التواصل، فترامب لم يعد يكتفي بالقنوات السرية، بل يستخدم منصاته الاجتماعية لتعزيز موقفه التفاوضي وإظهار قدرته على “إخضاع” الخصوم كما وصفها ويتكوف.

تاريخياً، لجأت إيران دوماً لـ “دبلوماسية الرهائن” أو “دبلوماسية القمع” كأوراق مساومة، لكن حجم الاحتجاجات التي بدأت في 28 ديسمبر الماضي، والتي تحولت من مطالب معيشية إلى شعارات سياسية، جعلت النظام في أضعف حالاته منذ عقود، إن تراجع طهران عن إعدام 800 شخص دفعة واحدة هو اعتراف غير مسبوق بتأثير التهديد الأمريكي المباشر، وهو ما لم يحدث حتى في أوج “الاتفاق النووي” عام 2015.

رغم “شكراً” ترامب، لا يزال الطريق طويلاً قبل الوصول لـ “صفقة القرن” مع طهران، وذلك لوجود أربعة عوائق كبرى:

  • تخصيب اليورانيوم: الوصول لنسب تقترب من الدرجة العسكرية يمثل خطاً أحمر لواشنطن وتل أبيب.

  • البرنامج الصاروخي: تعتبره طهران “درعها الوحيد” بينما تراه واشنطن تهديداً عابراً للقارات.

  • الأذرع الإقليمية: تفكيك شبكة الوكلاء في الشرق الأوسط يعني خسارة إيران لنفوذها الجيوسياسي.

  • الوضع الداخلي: الاحتجاجات الشعبية المستمرة تجعل أي تنازل خارجي يبدو كأنه “ضعف” قد يعجل بسقوط النظام.

بناءً على المعطيات الحالية، نتوقع أن تشهد الأسابيع القادمة مسارين متوازيين:

  1. المسار الدبلوماسي النشط: جولات مفاوضات (ربما سرية في مسقط أو جنيف) برعاية ويتكوف، للبحث عن “صيغة” تضمن عودة إيران للأسرة الدولية مقابل تنازلات نووية.

  2. استمرار الضغط الداخلي: لن تتوقف الاحتجاجات في إيران لمجرد إلغاء الإعدامات؛ فالمطالب أصبحت هيكلية، وواشنطن ستستمر في دعم المتظاهرين “معنوياً” لإبقاء النظام تحت الضغط.

  3. المراقبة اللصيقة: سيراقب البيت الأبيض سلوك طهران الميداني؛ وأي محاولة للعودة لسياسة الاغتيالات أو القمع العنيف ستعني عودة الخيار العسكري للطاولة فوراً، ولكن هذه المرة بـ تفويض دولي أوسع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى