انتفاضة دبلوماسية.. 21 دولة ترفض اعتراف إسرائيل بأرض الصومال وتدعم مقديشو

شكلت 21 دولة عربية وإسلامية، مدعومة بمنظمة التعاون الإسلامي، جدار صد دبلوماسي موحد يوم السبت، معلنة رفضها القاطع والمطلق لخطوة إسرائيل “غير المسبوقة” بالاعتراف بإقليم “أرض الصومال” الانفصالي، هذا التحرك الجماعي جاء تأكيداً على وحدة الأراضي الصومالية، وتحذيراً شديد اللهجة من تداعيات هذا الاعتراف على أمن منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر المشتعلة أصلاً.
في تحرك يعكس خطورة الموقف، لم تكتفِ الدول الموقعة على البيان المشترك والتي تضم قوى إقليمية كبرى مثل السعودية، مصر، تركيا، وإيران، إلى جانب الصومال المعني الأول—بالرفض الدبلوماسي المعتاد، بل جاءت لغتهم حاسمة، حيث أدان الوزراء الخطوة الإسرائيلية “بأشد العبارات”.
لماذا هذا الغضب الدبلوماسي؟ استند الرفض الجماعي إلى عدة ركائز أساسية وردت في البيان:
-
خرق القانون الدولي: اعتبرت الدول الـ21 أن الخطوة الإسرائيلية تمثل “خرقاً سافراً” لميثاق الأمم المتحدة الذي يقدس سيادة الدول ووحدة أراضيها.
-
سابقة خطيرة: حذر الوزراء من أن الاعتراف باستقلال أجزاء من أراضي دول ذات سيادة يفتح “باب جهنم” ويشكل سابقة تهدد الاستقرار العالمي بأسره، وليس فقط الإقليمي.
-
تهديد الأمن الإقليمي: في ظل التوترات الحالية، ينظر إلى هذا الإجراء كصب للزيت على نار منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر الحيوية للملاحة الدولية.
نقطة شديدة الحساسية: الربط بفلسطين اللافت في البيان هو الربط المباشر والقاطع بين هذا التحرك الإسرائيلي في إفريقيا وبين القضية الفلسطينية، حيث شدد الوزراء على رفضهم لأي محاولة لربط هذا الإجراء بـ”مخططات لتهجير أبناء الشعب الفلسطيني خارج أرضه”، في إشارة واضحة إلى مخاوف من استراتيجية إسرائيلية أوسع نطاقاً.
ماذا يعني هذا الخبر؟
قد تتساءل لماذا يجب أن أهتم باعتراف إسرائيل بإقليم في الصومال؟ الإجابة تتجاوز الجغرافيا البعيدة:
-
صراع النفوذ في “الفناء الخلفي”: هذا الخبر يعني أن البحر الأحمر والقرن الإفريقي تحولا رسمياً إلى ساحة صراع نفوذ كبرى ومكشوفة، إسرائيل تحاول إيجاد موطئ قدم استراتيجي وحلفاء جدد في خاصرة العالم العربي والإسلامي، وهذا التحرك الجماعي هو رسالة بأن هذا “اختراق للخطوط الحمراء” للأمن القومي العربي والإسلامي.
-
وحدة نادرة في زمن الانقسام: أن تجتمع دول قد تختلف في ملفات كثيرة (مثل إيران والسعودية، أو تركيا ومصر) على توقيع بيان واحد وبهذه اللهجة، يعني أن الشعور بالخطر من التحركات الإسرائيلية في تلك المنطقة وصل لمستوى غير مسبوق، مما أجبر الجميع على تنحية الخلافات جانباً.
-
إجهاض “سايكس بيكو” جديد: الرسالة الموجهة للمواطن هي أن هناك رفضاً قاطعاً لمبدأ تفتيت الدول القائمة في المنطقة، خوفاً من أن ما يبدأ في الصومال قد يمتد لغيرها إذا تم التساهل معه.
تاريخياً، ليست محاولات إسرائيل التغلغل في القرن الإفريقي جديدة، فمنذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي، تبنت إسرائيل ما عُرف باستراتيجية “شد الأطراف” أو “تحالف المحيط”، والتي قامت على بناء علاقات قوية مع الدول غير العربية أو الأقليات على أطراف العالم العربي (مثل إثيوبيا في عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي، أو علاقاتها مع دول إفريقية جنوب الصحراء) لفك الطوق العربي حولها، ما يحدث اليوم مع “أرض الصومال” هو إعادة إحياء حديثة لتلك الاستراتيجية القديمة، ولكن في سياق جيوسياسي أكثر تعقيداً وحساسية، خاصة فيما يتعلق بأمن البحر الأحمر.
أوروبا تمسك العصا من الوسط
لم تكن الدول الإسلامية وحدها في الميدان، فقد دخل الاتحاد الأوروبي على الخط، مؤكداً على موقفه التقليدي الداعم لـ “وحدة الصومال وسيادته” وفقاً للمواثيق الدولية والإفريقية وفي لغة دبلوماسية هادئة، دعا الاتحاد الأوروبي إلى “حوار بناء” بين الحكومة المركزية في مقديشو وإقليم أرض الصومال لحل الخلافات، رافضاً ضمنياً الحلول الأحادية القادمة من الخارج.
يضع هذا البيان الناري إسرائيل في مأزق دبلوماسي حقيقي، فبينما كانت تسعى لتحقيق مكسب استراتيجي سريع في القرن الإفريقي، وجدت نفسها في مواجهة جبهة موحدة تضم أهم القوى الإقليمية.
مستقبلاً، من المرجح أن يؤدي هذا الضغط المكثف إلى فرملة أي خطوات عملية لترجمة هذا الاعتراف الإسرائيلي على أرض الواقع، حيث ستتردد أي دولة أخرى في اللحاق بالركب الإسرائيلي خوفاً من استعداء هذا التكتل الكبير الرافض، المعركة الدبلوماسية على هوية ومستقبل القرن الإفريقي قد بدأت للتو، والرسالة وصلت واضحة إلى تل أبيب: “اللعب بالخرائط في هذه المنطقة ممنوع”.




