التاريخ والحضارة

كيف حاصرت أوروبا فنزويلا بسبب الديون؟ قصة تعويضات الـ 186 مليون بوليفار

عام 1901.. نقطة التحول وعجز فنزويلا عن الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه أوروبا

في مطلع القرن العشرين (تحديداً بين عامي 1902 و1903)، واجهت فنزويلا حصاراً بحرياً خانقاً فرضته ثلاث قوى أوروبية كبرى هي بريطانيا، ألمانيا، وإيطاليا، رداً على توقف كاراكاس عن سداد ديونها الخارجية، الأزمة لم تتوقف عند الديون فحسب، بل وصلت إلى مطالبة القوى الأوروبية بتعويضات “خيالية” بلغت مئات الملايين من البوليفار، وانتهت بتدخل أمريكي وسيط أفضى إلى توقيع “مفاهمة واشنطن” التي رهنت جزءاً كبيراً من مداخيل فنزويلا للخارج.

الديون التي تحولت إلى حصار حربي

عاش الرئيس الفنزويلي سيبريانو كاسترو، الذي حكم البلاد بقبضة من حديد منذ 1899، مأزقاً مالياً حاداً نتيجة الحروب الأهلية المدمرة التي أنهكت خزينة الدولة.

المطالب الأوروبية بالأرقام:

لم تكتفِ أوروبا بالمطالبة بالديون الأصلية، بل رفعت سقف مطالبها لتشمل مبالغ ضخمة:

  • 120 مليون بوليفار: تمثلت في ديون سابقة اقترضتها فنزويلا طيلة فترات الحرب.

  • 40 مليون بوليفار: فوائد تراكمت نتيجة توقف السداد في عام 1901.

  • 186 مليون بوليفار: تعويضات “خيالية” لرعايا هذه الدول الذين فقدوا ممتلكاتهم وغادروا البلاد بسبب الحروب.

كاريكاتير ساخر يظهر فنزويلا تشتكي لأميركا من البوارج الأوروبية – شبكة نجد

سياسة مدافع الأسطول والحياد الأمريكي:

بدأ الحصار الفعلي في 9 ديسمبر 1902، حيث دمرت السفن الأوروبية القدرات البحرية الضئيلة لفنزويلا، المثير للدهشة كان موقف الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت، الذي اعتمد سياسة الحياد طالما أن الأوروبيين لن يقتطعوا أراضٍ فنزويلية، وهو ما شجع بريطانيا وألمانيا على مواصلة الضغط العسكري.

إن هذا التقرير يحمل دلالات جوهرية تمس مفهوم “السيادة الوطنية” و”فخ الديون”:

  1. رهن السيادة: عندما ترهن الدولة 30% من مداخيلها الجمركية (كما فعلت فنزويلا في 1903) لسداد ديون قديمة، فإنها تفقد فعلياً القدرة على التنمية الداخلية وتصبح تحت رحمة المقرضين.

  2. الدبلوماسية الخشنة: تذكير بأن القوى الكبرى قد تستخدم القوة العسكرية المباشرة لتحصيل مستحقات مالية إذا شعرت بضعف الدولة المدينة.

  3. أهمية الاستقرار الداخلي: الحروب الأهلية لم تقتل البشر فحسب، بل فتحت ثغرة في جدار السيادة الفنزويلية سمحت بالتدخل الخارجي.

فنزويلا وقرن من الدماء

لفهم سياق هذا الحصار، يجب أن نعرف أن فنزويلا طيلة القرن التاسع عشر كانت مسرحاً لحروب أهلية مدمرة أسفرت عن وفاة نحو مليون شخص بسبب المعارك والمجاعات، هذا التمزق الداخلي هو ما دفع سيبريانو كاسترو للاستيلاء على السلطة الكاملة، وهو ما وضع البلاد في النهاية وجهاً لوجه أمام أطماع القوى الاستعمارية الأوروبية التي استغلت حالة الوهن الاقتصادي.

صورة لرئيس الولايات المتحدة، ثيودور روزفلت
صورة لرئيس الولايات المتحدة، ثيودور روزفلت.

نهاية الأزمة وبروز الدور الأمريكي

انتهى الحصار في 19 فبراير 1903، بعد توقيع “مفاهمة واشنطن” التي ضمنت سداد الديون مقابل انسحاب السفن الأوروبية.

الرأي الاستشرافي للمستقبل: تعتبر حادثة 1902 الدرس الأول الذي دفع الولايات المتحدة لوضع خطط لضمان “الاستقرار الاقتصادي” في القارة الأمريكية لمنع تكرار التدخل الأوروبي وبناءً على ذلك، نرى أن الدول التي لا تملك استقلالاً اقتصادياً وحصانة من الديون الخارجية تظل دائماً مهددة بأشكال حديثة من “الحصار”، حتى وإن لم تكن عبر المدافع والسفن، بل عبر الضغوط السياسية والمؤسسات المالية الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى