
على عكس التوقعات التي رجحت هروب السيولة عقب خفض أسعار الفائدة، سجلت مدخرات المصريين في الشهادات والودائع رقماً قياسياً بلغ 7.07 تريليون جنيه بحلول نوفمبر 2025، السر يكمن في “العائد الحقيقي” الإيجابي الذي يتراوح حالياً بين 5% و8%، مدعوماً باستقرار التضخم عند 12.3% ومع تحسن قيمة الجنيه مقابل الدولار وتوقعات المؤسسات الدولية باستقراره في نطاق 47 إلى 49 جنيهاً خلال 2026، استعاد الجنيه جاذبيته كوعاء ادخاري آمن يتفوق على مخاطر الذهب وتقلبات العملات الأجنبية.
كيف كسب الجنيه الرهان ضد التوقعات؟
شهدت الساحة المصرفية تحولاً دراماتيكياً؛ فمنذ بدء دورة التيسير النقدي في أبريل الماضي، ضخ المصريون نحو 790.5 مليار جنيه إضافية في الأوعية الادخارية، هذا الإقبال جاء رغم وقف الشهادات الاستثنائية ذات العائد 27% وخفض المركزي لأسعار الفائدة بمقدار 725 نقطة أساس.
عوامل عززت جاذبية العملة المحلية:
-
الفائدة الحقيقية المرتفعة: رغم انخفاض الفائدة الاسمية، إلا أن تراجع التضخم جعل العائد الفعلي (الفائدة ناقص التضخم) من بين الأعلى في الأسواق الناشئة.
-
استعادة الثقة: ارتفعت قيمة الجنيه بنحو 6% خلال العام الماضي، مما شجع المدخرين على التخلي عن “الدولرة” والعودة للعملة الوطنية.
-
تحسن المؤشرات النقدية: تجاوز الاحتياطي النقدي حاجز 51 مليار دولار، مدعوماً بتحويلات المصريين بالخارج التي بلغت 37.5 مليار دولار وإيرادات سياحية قاربت 20 مليار دولار.

إن هذا المشهد يمثل انتقالاً من “اقتصاد الأزمة” إلى “اقتصاد الاستقرار”:
-
الأمان مقابل المخاطرة: بينما حقق الذهب مكاسب قوية، إلا أن انعدام المخاطر في الشهادات البنكية جعلها الملاذ المفضل لمن يبحث عن دخل شهري ثابت ومضمون دون تعقيدات تأمينية.
-
القوة الشرائية للعائد: لأول مرة منذ عامين، يشعر المودع أن عوائده “تنمو” فعلياً؛ فبعد أن كانت الفائدة سلبية (أقل من التضخم) عندما وصل التضخم لـ 38%، أصبحت الآن تمنح ميزة واضحة في تحسن القدرة الشرائية.
-
طمأنة المستثمر: استباق العملاء لتجديد شهاداتهم الآن يعكس ذكاءً مالياً، حيث يسعون للاحتفاظ بمعدلات فائدة مرتفعة قبل جولات الخفض الإضافية المرتقبة للفائدة خلال عام 2026.
للمقارنة وإظهار عمق التحول، يجب العودة لعامي 2023 و2024؛ حيث عاش الاقتصاد المصري حالة استثنائية من الضغوط التضخمية التي التهمت قيمة المدخرات في ذلك الوقت، كانت السياسة النقدية “دفاعية” بامتياز، تهدف فقط للسيطرة على انفجار الأسعار عبر فوائد قياسية، اليوم المشهد يعيد للأذهان فترات الاستقرار النقدي التاريخية التي تلت برامج الإصلاح الناجحة، حيث يعود التوازن بين أسعار الفائدة ومستويات التضخم المستهدفة، مما يعزز الثقة في الجنيه كعملة ادخار لا عملة إنفاق فقط.
توقعات المؤسسات العالمية وسعر الصرف
تجمع كبرى بنوك الاستثمار على نظرة متفائلة للجنيه المصري خلال 2026:
-
فيتش سوليوشنز: توقعت سعر صرف بين 47 و49 جنيهاً للدولار.
-
غولدمان ساكس: يرى أن الجنيه لا يزال مقوماً بأقل من قيمته العادلة بنحو 30%، مما يفتح الباب لمزيد من الارتفاع.
-
ستاندرد تشارترد: رفع توقعاته مرتين متتاليتين ليضع الجنيه في نطاق الاستقرار المستهدف.
الطريق نحو 7% تضخم
تشير المعطيات الحالية إلى أن البنك المركزي المصري يمضي بخطى ثابتة نحو مستهدفه الطموح للتضخم البالغ 7% (± 2%) بحلول الربع الرابع من عام 2026، هذا التوجه يعني أننا قد نشهد تخفيضات إضافية في أسعار الفائدة تتراوح بين 6% و7% خلال العام الحالي، النجاح الحقيقي لـ “شبكة نجد” في تغطية هذا الملف يكمن في رصد قدرة الاقتصاد غير النفطي على النمو تدريجياً، وهو العامل الحاسم الذي سيضمن استمرار قوة الجنيه بعيداً عن الصدمات الخارجية.




