التاريخ والحضارة

اتفاقية أوريغون 1846: كيف توسعت أميركا وتجنبت الحرب مع بريطانيا؟

في عام 1846، نجحت الولايات المتحدة في تجنب حرب مدمرة مع بريطانيا عبر إبرام “اتفاقية أوريغون“، التي أنهت عقوداً من الإدارة المشتركة لمقاطعة أوريغون الشاسعة وبموجب هذه الاتفاقية، تم ترسيم الحدود النهائية عند خط عرض 49 شمالاً، مما منح واشنطن السيطرة المطلقة على مناطق أصبحت اليوم ولايات واشنطن وأوريغون وأيداهو، وأجزاء من مونتانا ووايومنغ، محققة بذلك طموحها التاريخي بالوصول إلى المحيط الهادئ.

مقاطعة أوريغون قبل التقسيم

لم تكن مقاطعة أوريغون مجرد قطعة أرض، بل كانت منطقة تفتقر للحدود الواضحة وتمتد على مساحات شاسعة تشمل اليوم أجزاء من الولايات المتحدة وكندا (كولومبيا البريطانية ويوكون)، خلال القرن التاسع عشر، أديرت المنطقة بشكل مشترك بين واشنطن ولندن منذ عام 1818 كإجراء مؤقت لتفادي النزاعات.

تميز الوجود البريطاني في المنطقة بهيمنة “شركة خليج هودسون” التي ركزت على تجارة الفرو، مما جعل قيمة المنطقة بالنسبة للندن اقتصادية وتجارية بحتة، في المقابل، شهد الوجود الأميركي تدفقاً كبيراً للمهاجرين والفلاحين الذين استقروا بشكل دائم، مما حول أوريغون في المخيلة الأميركية إلى ضرورة حيوية للتوسع القاري وبلوغ المحيط الهادئ.

خريطة تاريخية توضح ترسيم الحدود في مقاطعة أوريغون عام 1846 – شبكة نجد

اتفاقية 1846: تسوية سلمية في ظل طبول الحرب

مع تصاعد التوتر والمطالبات السيادية من الطرفين، كان شبح الحرب يلوح في الأفق، خاصة وأن الأجواء كانت مشحونة منذ حرب عام 1812 وفي 15 يونيو 1846، وتجنباً لاندلاع مواجهة عسكرية شاملة، وافق الطرفان على حل دبلوماسي عرف بـ اتفاقية أوريغون:

  • ترسيم الحدود: تم اعتماد خط العرض 49 الشمالي كفاصل نهائي؛ القسم الشمالي لبريطانيا والجنوبي للولايات المتحدة.

  • المكاسب البريطانية: احتفظت بريطانيا بجزيرة فانكوفر، مع السماح لها بالإبحار في نهر كولومبيا وحماية حقوق شركة خليج هودسون.

  • المكاسب الأميركية: نالت واشنطن السيادة على الأراضي التي شكلت لاحقاً قلب الشمال الغربي الأميركي.

إن قرار الإدارة الأميركية في عام 1846 بقبول التفاوض بدلاً من المواجهة العسكرية يعكس البراغماتية الاستراتيجية في أعلى مستوياتها ففي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تخوض حرباً شرسة ضد المكسيك، كان فتح جبهة ثانية ضد الإمبراطورية البريطانية سيمثل انتحاراً عسكرياً.

إن هذه الاتفاقية تقدم درساً في كيف يمكن للدبلوماسية أن تخدم “القدر المحتوم” (Manifest Destiny) بأقل التكاليف، لقد حصلت أميركا على أراضي تفوق مساحة دول كبرى دون إطلاق رصاصة واحدة ضد بريطانيا، وهو ما سمح لها بتركيز مواردها على جبهة المكسيك وتثبيت أركان دولتها القارية، هذا النوع من “التوسع الذكي” هو ما وضع حجر الأساس للقوة العظمى التي نعرفها اليوم.

اتفاقية أوريغون لم تكن حدثاً معزولاً، بل كانت جزءاً من سلسلة “صفقات التوسع” التي ميزت القرن التاسع عشر الأميركي، بدأت القصة بصفقة لويزيانا عام 1803 مع نابليون بونابرت التي ضاعفت مساحة البلاد، ثم معاهدة “أدامس أونيس” عام 1819 للحصول على فلوريدا من الإسبان.

معاهدة أوريغون.

تكمن أهمية اتفاقية أوريغون في أنها كانت الحلقة الأخيرة لترسيم الحدود مع بريطانيا في القارة، مما أنهى قروناً من التنافس الاستعماري (الفرنسي، الإسباني، البريطاني) الذي لم ينجح أحد قبلاً في حسمه بحدود دقيقة، هذا التراكم التاريخي في الاستحواذ على الأراضي عبر المعاهدات يظهر مدرسة أميركية فريدة في التوسع تعتمد على “الشراء والدبلوماسية” بقدر ما تعتمد على القوة.

بناءً على هذا المسار التاريخي، تظل اتفاقية أوريغون نموذجاً يحتذى به في حل النزاعات الحدودية المعقدة وفي سياق 2026، نرى أن استقرار الحدود الأميركية الكندية التي تعد أطول حدود غير محمية عسكرياً في العالم- هو نتاج مباشر لنجاح اتفاقية 1846 في خلق “فصل جغرافي” عادل، التوقعات المستقبلية تشير إلى أن هذا الإرث الدبلوماسي سيستمر في حماية التعاون الاقتصادي بين البلدين، حيث تحولت مناطق النزاع القديمة في واشنطن وكولومبيا البريطانية إلى ممرات تجارية حيوية تربط القارة الأميركية بالأسواق الآسيوية عبر الهادئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى