شرط ألمانيا للعودة لقناة السويس: قطاع السيارات يكسر حاجز الصمت

رهن اتحاد صناعة السيارات الألماني (VDA) العودة لاستخدام طريق قناة السويس بضمان “السلامة التامة للطواقم” وحل الملفات العالقة المتعلقة بـ تغطية التأمين البحري، وفي حين أقر الاتحاد بأن العودة لهذا المسار ستقلص أوقات النقل وتخفض التكاليف مقارنة بطريق “رأس الرجاء الصالح”، إلا أنه أكد أن المخاطر الأمنية لا تزال تتطلب إجابات واضحة قبل اتخاذ قرار جماعي بالعودة، رغم إعلان شركة “ميرسك” عن استئناف بعض رحلاتها في البحر الأحمر هذا الشهر.
التأمين وسلامة الأطقم قبل المكاسب المالية
في بيان يعكس سياسة “التريث الاستراتيجي”، أوضح اتحاد (VDA) أن قطاع السيارات الألماني الذي يعد العمود الفقري لاقتصاد القارة العجوز – لا يزال ينظر بعين الحذر إلى تطورات المشهد في البحر الأحمر، ورغم الضغوط الاقتصادية الناجمة عن إطالة أمد سلاسل التوريد، إلا أن الاتحاد يرى أن “الجدوى الاقتصادية” لا يمكن أن تسبق “الجدوى الأمنية”.
وقد كشف الاتحاد عن إجراء مسوحات أولية للمسار بالتعاون مع شركات شحن مختارة، وتحت إجراءات أمنية مشددة، لتقييم مدى جاهزية القناة لاستقبال شحنات السيارات وقطع الغيار الحساسة وتأتي هذه الخطوة بالتزامن مع إعلان “ميرسك” العملاقة عن خطة تدريجية للعودة، مما وضع الشركات الألمانية أمام ضغط الموازنة بين تقليل تكاليف النقل وبين الحفاظ على أرواح أطقم السفن وسلامة الشحنات المليارية.
تجاوز الموقف الألماني كونه مجرد “تحذير نقابي” ليصبح “مانيفستو” جديد لإدارة المخاطر في عام 2026، إن تركيز اتحاد (VDA) على قضايا التأمين يكشف عن الوجه الخفي للأزمة؛ فالمشكلة ليست في قدرة السفن على العبور فحسب، بل في “شهية” شركات التأمين العالمية لتغطية تلك الرحلات بأسعار منطقية، إذا ظلت أقساط التأمين مرتفعة بسبب المخاطر الأمنية، فإن الوفر المالي الذي تقدمه قناة السويس (عبر تقصير المسافة) قد يتآكل تماماً، مما يجعل طريق رأس الرجاء الصالح رغم طوله الخيار الأكثر استقراراً مالياً.
بالنسبة للمتابع البشري، هذا القرار يعني أننا لن نشهد عودة مفاجئة وشاملة لجميع السفن، بل سنرى “جس نبض” تقوده شركات كبرى مثل ميرسك، بينما تكتفي شركات السيارات بمراقبة النتائج، إن “الألمانية” في هذا القرار تكمن في الدقة والمحافظة؛ فالسوق الألماني لا يتحمل هزة أخرى في سلاسل التوريد “Just-in-Time” التي تعتمد عليها مصانع فولكس فاجن وBMW، مما يفسر لماذا يضعون “السلامة التامة” كشرط غير قابل للتفاوض.
لفهم حساسية قطاع السيارات الألماني تجاه قناة السويس، يجب العودة لعام 2021 وحادثة “إيفر غيفن”، ثم الاضطرابات الجيوسياسية التي بدأت في أواخر 2023 وأدت لتعطيل الملاحة لمدة عامين تقريباً، لقد علّم التاريخ القادة الصناعيين في ألمانيا أن قناة السويس هي “عنق الزجاجة” الذي يمكن أن يشل إنتاج السيارات في أوروبا خلال أيام فقط.
ارتباط صناعة السيارات الألمانية بآسيا (سواء لتوريد الرقائق الإلكترونية أو لتصدير السيارات الفاخرة) يجعل من تعطل هذا الشريان المائي “أزمة وجودية” للقطاع، لذا، فإن تواصل الاتحاد مع شركات شحن مختارة لإجراء “مسح أولي” هو تكرار لبروتوكولات الأمان التي تتبعها ألمانيا تاريخياً في مناطق النزاعات، مما يظهر موثوقية عالية في إدارة الأزمات العابرة للحدود.
العوامل المحددة لقرار العودة:
لتلخيص الموقف الألماني المعقد، تبرز أربعة محاور أساسية تحكم قرار استئناف الشحن عبر السويس:
-
أمن الطواقم: الأولوية القصوى والشرط الذي لا يمكن تجاوزه.
-
ملف التأمين: حل معضلة الأقساط المرتفعة وضمان التغطية ضد المخاطر العسكرية.
-
اختبار “ميرسك”: مراقبة نجاح أولى رحلات عملاق الشحن الدنماركي هذا الشهر.
-
الموازنة اللوجستية: المقارنة بين توفير الوقت (عبر السويس) مقابل استقرار المسار (عبر رأس الرجاء الصالح).
بناءً على المعطيات الحالية، نتوقع أن يتسم عام 2026 بـ “العودة المشروطة والمجزأة”:
-
الموجة الأولى: ستقتصر على سفن الحاويات الكبرى التي تمتلك حماية أمنية خاصة (مثل سفن ميرسك)، لتقييم المخاطر على أرض الواقع.
-
استجابة شركات التأمين: نتوقع انخفاضاً تدريجياً في أقساط التأمين البحري بحلول منتصف العام إذا مرت رحلات الشهر الحالي بسلام، مما سيشجع (VDA) على تخفيف قيوده.
-
تطوير مسارات هجينة: قد تلجأ شركات السيارات الألمانية لاستخدام قناة السويس لقطع الغيار “المستعجلة” فقط، مع إبقاء حصة من الشحن عبر طريق رأس الرجاء الصالح كخطة بديلة دائمة (Redundancy Strategy) لتفادي أي صدمات مستقبلية.




