نمو عالمي مشروط: صندوق النقد يحذر من “انفجار” فقاعة الذكاء الاصطناعي

رفع صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو العالمي لعام 2026 إلى 3.3% (مقارنة بـ 3.1% في تقديرات سابقة)، مدفوعاً بطفرة الاستثمار التكنولوجي في أمريكا الشمالية وآسيا ومع ذلك، حذر الصندوق من أن هذا النمو يرتكز على “أرضية مهتزة”؛ فإذا فشلت تقنيات الذكاء الاصطناعي في ترجمة هذه الاستثمارات الضخمة إلى مكاسب إنتاجية حقيقية، فقد يواجه العالم “انكماشاً حاداً” في الأسواق يؤدي لتآكل ثروات الأسر وانهيار تقييمات الشركات، مما قد يخصم من الزخم الاقتصادي الحالي بدلاً من تعزيزه.
قراءة في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي
في تقريره الصادر يوم الاثنين، رسم صندوق النقد الدولي صورة متفائلة بحذر لمسار الاقتصاد العالمي، الزيادة في التوقعات لتصل إلى 3.3% تعكس “صلابة لافتة” في مواجهة الاضطرابات التجارية، لكن هذه الصلابة تخفي وراءها تركيزاً مقلقاً للاستثمارات في قطاع واحد، يرى الخبراء في الصندوق، وعلى رأسهم توبياس أدريان وبيير-أوليفييه غورينشاس، أن الذكاء الاصطناعي يمتلك “إمكانات تحويلية” قادرة على إضافة 0.3% للنشاط الاقتصادي العالمي هذا العام، لكنها سلاح ذو حدين.
المشكلة الحقيقية تكمن في “فجوة التوقعات”؛ حيث يتم تداول أسهم التكنولوجيا بتقييمات مرتفعة جداً بناءً على وعود بزيادة الكفاءة والإنتاجية، وإذا جاءت النتائج الربع سنوية للشركات مخيبة للآمال، أو إذا تبين أن الذكاء الاصطناعي مجرد “أداة تحسين” وليس “ثورة إنتاجية”، فإن الأسواق قد تشهد موجة بيع عنيفة (Correction) لن تقتصر على قطاع التكنولوجيا وحده، بل ستمتد لتضرب القوة الشرائية للأسر التي استثمرت مدخراتها في هذه الأسهم.
خلف الأرقام الجافة لصندوق النقد، تبرز حقيقة بشرية واقتصادية عميقة: نحن نعيش في “اقتصاد الأمل التكنولوجي”، بالنسبة للمتابع العادي أو المستثمر الصغير، يحمل هذا التقرير رسالة تحذيرية تتجاوز مجرد أرقام النمو؛ إنها دعوة للحذر من “العدوى المالية”.
التحليل العميق يشير إلى أن الخطورة لا تكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في “تركز الثروة والاستثمار”، عندما تضخ الصناديق السيادية والشركات الكبرى في أمريكا وآسيا مليارات الدولارات في بنية تحتية للذكاء الاصطناعي (مراكز بيانات، رقائق)، فإنها ترهن النمو المستقبلي بقدرة هذه الآلات على تعويض النقص في الأيدي العاملة أو ابتكار حلول طبية وصناعية غير مسبوقة، إذا لم يحدث ذلك، سنكون أمام “أزمة أصول” شبيهة بأزمة العقارات، ولكن هذه المرة الأصول هي “أكواد برمجية” وقدرات حوسبة معطلة. القيمة المضافة هنا هي فهم أن صندوق النقد بدأ بتهيئة الرأي العام العالمي لسيناريو “الهبوط الخشن” لقطاع التكنولوجيا، داعياً الحكومات لليقظة الهيكلية.
تعيدنا تحذيرات صندوق النقد بالذاكرة إلى “فقاعة دوت كوم” (Dot-com Bubble) في عام 2000، حينها، كانت الوعود بأن “الإنترنت سيغير كل شيء” كافية لرفع أسهم شركات لا تملك نموذج ربح حقيقي إلى عنان السماء وبالفعل، غيّر الإنترنت العالم، لكن بعد أن انفجرت الفقاعة ومُحيت تريليونات الدولارات من الأسواق لأن “التوقيت” و”الربحية” لم يتوافقا مع “الحماس”.
اليوم، يرى صندوق النقد تشابهاً هيكلياً؛ حيث يقود الذكاء الاصطناعي سوق الأسهم نحو مستويات قياسية، تماماً كما فعلت شركات الإنترنت قبل 26 عاماً، الفرق الوحيد هو أن الشركات الحالية (مثل إنفيديا ومايكروسوفت) تمتلك تدفقات نقدية ضخمة، لكن التحذير من “تآكل ثروات الأسر” يعكس خشية الصندوق من أن الجمهور العام دخل في “موجة هوس” قد تنتهي بشكل مؤلم إذا تباطأ منحنى العائد على الاستثمار التكنولوجي.
ملخص البيانات والمخاطر حسب تقرير الصندوق:
-
نمو 2026 المتوقع: 3.3% (ارتفاع من 3.1%).
-
نمو 2027 المستهدف: 3.2% (دون تغيير).
-
المحرك الأساسي: الإنفاق التكنولوجي في أمريكا الشمالية وآسيا.
-
السيناريو الإيجابي: إضافة 0.3% للنشاط الاقتصادي حال نجاح الإنتاجية.
-
السيناريو السلبي (الفقاعة): انكماش حاد في الأسواق وتراجع ثقة المستثمرين حال فشل الأرباح في مضاهاة التقييمات.
بناءً على معطيات مطلع عام 2026، نتوقع أن يتسم المشهد الاقتصادي بالآتي:
-
عام “الحقيقة الرقمية”: ستكون نتائج الربعين الثاني والثالث من عام 2026 حاسمة؛ فإما أن تبدأ الشركات في إظهار أرباح فعلية ناتجة عن خفض التكاليف بواسطة الذكاء الاصطناعي، أو تبدأ “الشرارة الأولى” للتصحيح السعري.
-
تحول بوصلة الاستثمار: قد نرى هجرة للأموال نحو القطاعات التقليدية (الدفاع، الطاقة، الصناعة) كنوع من “التحوط” ضد تقلبات التكنولوجيا.
-
تدخل تنظيمي: قد تفرض البنوك المركزية قيوداً أكثر صرامة على الإقراض الموجه لشركات الذكاء الاصطناعي الناشئة لضمان عدم تضخم “فقاعة الائتمان” بجانب “فقاعة الأسهم”.




