الثقافة والفن

فوازير رمضان من الإذاعة إلى زمن نيللي وشريهان

ارتبطت فوازير رمضان في الوجدان العربي ببهجة ما بعد الإفطار، حين كانت الأسر تجتمع أمام الشاشة في مصر والعالم العربي انتظاراً للغز يومي ممتع يجمع بين الفن والتشويق، وقد بدأت هذه الظاهرة عبر الإذاعة المصرية في ستينيات القرن الماضي على يد آمال فهمي وسامية صادق، قبل أن تنتقل إلى التلفزيون عام 1961، ثم تبلغ ذروة مجدها بين عامي 1975 و1988 مع نيللي وشريهان، اللتين رسختا الشكل الاستعراضي الكامل للفوازير وجعلتاها طقساً رمضانياً ثابتاً، قبل أن يتراجع بريقها تدريجياً مع تغير الذائقة وتعدد البدائل الترفيهية.

البدايات الإذاعية

لم تولد فوازير رمضان أمام الكاميرا، بل عبرت أولاً الأثير، حيث طرحت الإذاعتان آمال فهمي وسامية صادق فكرة السؤال اليومي الذي يبث للمستمعين ويطلب منهم إرسال الإجابات بالبريد، وكانت الفكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها أحدثت أثراً بالغاً لأنها صنعت حالة ترقب يومية وأرست مفهوم التفاعل الجماهيري، وهو العنصر الذي سيصبح لاحقاً العمود الفقري للفوازير التلفزيونية.

في تلك المرحلة، لم تكن هناك استعراضات أو أزياء لافتة أو حركة كاميرا، بل كان الرهان على الخيال، وعلى قدرة السؤال وحده في إشعال حماسة الجمهور، وقد نجحت الفكرة لأنها خاطبت حاجة رمضانية أصيلة إلى التسلية الخفيفة المصحوبة بالتفكير.

من المثل الشعبي إلى الشاشة

بعد عام واحد من انطلاق التلفزيون المصري عام 1961، انتقلت الفكرة إلى الشاشة الصغيرة عبر برنامج “فوازير الأمثال” أو “على رأي المثل”، حيث كانت الحلقات تقدم في قالب درامي قصير يجسد مثلاً شعبياً، ويُطلب من المشاهدين تخمين المثل وإرسال الإجابة بالبريد، وهنا بدأ المزج بين الدراما واللغز، وتبلورت ملامح الشكل التلفزيوني للفوازير.

لكن هذه المرحلة، رغم أهميتها التأسيسية، لم تكن سوى تمهيد لثورة فنية أكبر ستغير شكل الفوازير جذرياً.

مبنى التليفزيون المصري ماسبيرو

الاستعراض يغير قواعد اللعبة

في عام 1967، قدم المخرج محمد سالم أول فوازير عربية تمزج بين الدراما والاستعراض بالتعاون مع فرقة ثلاثي أضواء المسرح التي ضمت سمير غانم وجورج سيدهم والضيف أحمد، وكان هذا التحول بمثابة إعلان ميلاد الفوازير بشكلها الفني المعروف، حيث دخلت الأغنية والاستعراض والحركة في نسيج الحلقة، وأصبح اللغز جزءاً من عرض متكامل لا مجرد سؤال عابر.

هذا المزج بين الفن الخفيف واللغز الذكي أسس لمرحلة جديدة، غير أن العصر الذهبي الحقيقي بدأ منتصف السبعينيات.

نيللي ترسخ الطقس الرمضاني

بين عامي 1975 و1981، قدمت الفنانة نيللي مواسم متتالية من الفوازير أخرجها المبدع فهمي عبدالحميد، الذي أصبح الاسم الأبرز في صناعة هذا اللون الفني، ومع نيللي استقر الشكل الكلاسيكي للفوازير، فكرة موحدة لكل موسم، استعراضات أنيقة خفيفة، أزياء متغيرة، وألغاز يومية مصاغة شعرياً.

من “الخاطبة” إلى “عالم ورق” و”صندوق الدنيا” و”أم العريف”، تحولت الفوازير إلى موعد يومي لا يفوت، وصار اسم نيللي مرادفاً لشهر رمضان، حتى بدا أن الشهر لا يكتمل من دون ظهورها على الشاشة بابتسامتها وأدائها الرشيق.

فطوطة

فطوطة وأيقونة الطفولة

في عام 1982، ابتكر فهمي عبدالحميد شخصية “فطوطة” التي قدمها سمير غانم حتى عام 1984، بملابسه الخضراء المميزة وروحه الساخرة، واستطاعت الشخصية أن تخاطب شريحة الأطفال بذكاء، لتصبح واحدة من أكثر الشخصيات الرمضانية رسوخاً في الذاكرة، مؤكدة أن الفوازير قادرة على التجدد ضمن الإطار ذاته.

شريهان والذروة الاستعراضية

مع شريهان، دخلت الفوازير مرحلة الإبهار الكامل، خاصة في مواسم “ألف ليلة وليلة” حتى عام 1988، حيث تحولت الحلقات إلى عروض استعراضية ضخمة، تصميم رقصات احترافية، أزياء فخمة أيقونية، حركة كاميرا ديناميكية، وألغاز مركبة تتطلب تركيزاً عالياً.

بلغت الفوازير في هذه المرحلة قمة جماهيريتها، وأصبحت حديث الشارع المصري والعربي يومياً، ولم تعد مجرد برنامج مسابقات، بل عرضاً فنياً متكاملاً ينافس في إنتاجه كبرى الأعمال الدرامية.

الفنانة شريهان.

محاولات ما بعد الذروة

شهدت أواخر الثمانينيات والتسعينيات تجارب متعددة، مثل “المناسبات” بمشاركة صابرين وهالة فؤاد ويحيى الفخراني، و”الفنون” بطولة شيرين رضا ومدحت صالح، و”قيس وليلى” بطولة محمد الحلو وشيرين وجدي، كما قدمت نادين “جيران الهنا” ثم “مانستغناش” وحققت حضوراً جماهيرياً واضحاً لعامين متتاليين، إلا أن هذه المحاولات، رغم جودتها، لم تستطع إعادة البريق ذاته المرتبط بالعصر الذهبي.

وفي عام 1999، جاءت تجربة “حلم ولا علم” بمشاركة نيللي كريم وصلاح عبدالله، لكنها لم تنجح في استعادة المكانة القديمة، ومع دخول الألفية الجديدة تراجعت الفوازير تدريجياً حتى كادت تختفي من الخريطة الرمضانية، بفعل تغير الذائقة وتعدد القنوات والمنصات وتراجع مفهوم المشاهدة الجماعية.

اقتصاد البهجة وصناعة النجومية الرمضانية

لم تكن فوازير رمضان مجرد برنامج ترفيهي، بل كانت مشروعاً اقتصادياً وثقافياً متكاملاً، إذ أسهمت في صناعة نجومية موسمية خاصة، وجعلت من رمضان سوقاً تنافسياً للإبداع الاستعراضي، وكان نجاحها مرتبطاً بثلاثة عناصر يصعب اجتماعها اليوم، مخرج يمتلك رؤية جمالية واضحة مثل فهمي عبدالحميد، نجمة قادرة على الجمع بين التمثيل والاستعراض وخفة الظل مثل نيللي وشريهان، وجمهور موحد القناة والموعد في زمن لم يكن يعرف هذا التشتت الرقمي.

التحول الذي أصاب الفوازير لم يكن فنياً فقط، بل اجتماعياً أيضاً، فقد تغيرت طبيعة الأسرة، وتبدلت عادات المشاهدة، وتراجعت فكرة الانتظار اليومي المشترك، لتحل محلها ثقافة المشاهدة حسب الطلب، وهو ما أضعف أحد أهم أعمدة الفوازير، أي عنصر الترقب الجماعي والنقاش الأسري حول حل اللغز.

ورغم محاولات الإحياء، فإن استنساخ التجربة من دون قراءة عميقة لتحول السوق والجمهور أدى إلى نتائج محدودة، لأن الفوازير كانت ابنة زمنها بقدر ما كانت ابنة نجومها.

ذكرى لا تنطفئ

حتى اليوم، ما إن تذكر فوازير رمضان، حتى يتبادر إلى الذهن اسما نيللي وشريهان، وكأنهما اختزلتا هذا الفن بأكمله، فصورتاهما لا تزالان حاضرتين في الذاكرة الجمعية كرمز لزمن كانت فيه البهجة تصنع من لغز صغير وعرض كبير، وكانت الشاشة تجمع ولا تفرق.

ومع عودة الاهتمام بالمحتوى الكلاسيكي عبر المنصات الرقمية، وتنامي الحنين إلى الأعمال التي شكلت وجدان أجيال، تبدو فرصة إحياء الفوازير قائمة، لكن بشروط جديدة تراعي تغير أدوات الإنتاج وعادات المشاهدة، وربما نشهد مستقبلاً نسخة معاصرة تستلهم روح نيللي وشريهان، وتعيد صياغتها بلغة العصر، لتثبت أن الفوازير لم تمت، بل تنتظر من يعيد اكتشافها بوعي مختلف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى