إيران تسرّع شحن النفط تحسباً لضربة عسكرية

في تحرك يعكس استعداداً استباقياً لسيناريو تصعيد عسكري محتمل، سرعت إيران خلال الأيام الأخيرة وتيرة تحميل النفط على الناقلات من موانئها، ولا سيما من جزيرة خرج، حيث أظهرت بيانات شركة Kpler أن الصادرات بلغت بين 15 و20 فبراير نحو 20.1 مليون برميل، أي ما يعادل أكثر من 3 ملايين برميل يومياً، وهو مستوى يفوق بكثير المعدلات اليومية المعتادة، ويأتي ذلك في ظل حشد عسكري أميركي هو الأكبر في الشرق الأوسط منذ حرب الخليج الثانية عام 2003، وقبيل جولة محادثات مرتقبة في جنيف بين وفدين أميركي وإيراني.
قفزة غير مسبوقة في صادرات جزيرة خرج
تشير البيانات إلى أن الكميات التي تم تحميلها خلال خمسة أيام فقط تكاد تعادل ثلاثة أضعاف ما جرى تحميله في الفترة نفسها من يناير، وهو ما يعكس قراراً سيادياً بتفريغ المخزون العائم وتقليص المخاطر المرتبطة ببقاء النفط داخل الموانئ أو في مرافق التخزين الساحلية المعرضة لأي استهداف محتمل.
جزيرة خرج، التي تعد الشريان الرئيسي لصادرات النفط الإيراني، لطالما كانت محوراً استراتيجياً في أي مواجهة عسكرية محتملة، إذ إن تعطيلها يعني شل قدرة طهران على تصدير الجزء الأكبر من إنتاجها، ولذلك فإن تسريع الشحنات يمثل عملياً عملية تأمين للأصول النفطية قبل أي تطور ميداني مفاجئ.
ذاكرة الضربات السابقة تحكم القرار
التحرك الإيراني لا يأتي من فراغ، ففي العام الماضي، وقبيل الضربات الجوية الأميركية، سارعت طهران إلى إخراج كميات كبيرة من النفط من موانئها وشحن أكبر قدر ممكن إلى جزيرة خرج، في نمط تكرر أيضاً خلال توترات عام 2024، ما يعكس استراتيجية ثابتة تعتمد على تقليل المخاطر عبر تحويل النفط إلى عرض البحر حيث يصبح استهدافه أكثر تعقيداً سياسياً وعسكرياً.
هذا السلوك يعكس إدراكاً إيرانياً بأن النفط ليس مجرد سلعة اقتصادية، بل ورقة ضغط استراتيجية ومصدر تمويل حيوي، خصوصاً في ظل العقوبات الغربية المستمرة، وبالتالي فإن أي تهديد مباشر للبنية التحتية النفطية يُقابل برد فعل سريع في إدارة المخزون والتصدير.
حشد عسكري ومفاوضات حاسمة
يأتي هذا التسارع في وقت تحشد فيه الولايات المتحدة أكبر قوة عسكرية لها في المنطقة منذ عام 2003، في رسالة ردع واضحة، بينما يلتقي اليوم الخميس في جنيف المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بوفد إيراني في جولة ثالثة من المحادثات، في محاولة لاحتواء التصعيد وفتح نافذة دبلوماسية.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب ألمح في خطاب حالة الاتحاد إلى مبررات محتملة لشن هجوم، مؤكداً أنه لن يسمح لإيران، التي وصفها بأنها أكبر راعٍ للإرهاب في العالم، بامتلاك سلاح نووي، في حين أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن التوصل إلى اتفاق “في المتناول، لكن فقط إذا تم إعطاء الأولوية للدبلوماسية”، ما يعكس توازناً دقيقاً بين لغة التصعيد وخطاب التهدئة.
رهانات أسواق النفط على قصر أمد الصراع
في الأسواق، يراقب المستثمرون تطورات المفاوضات بقلق محسوب، إذ قال المحلل لدى فوجيتومي سكيوريتيز، توشيتاكا تازاوا، إن التركيز ينصب على آفاق تجنب الصراع العسكري، مضيفاً أن سعر خام غرب تكساس الوسيط قد يرتفع مؤقتاً إلى ما فوق 70 دولاراً للبرميل في حال اندلاع أعمال قتالية، قبل أن يتراجع إلى نطاق بين 60 و65 دولاراً إذا كانت الأهداف محدودة والصراع قصير الأمد.
غير أن السيناريو الأكثر إرباكاً يتمثل في إطالة أمد المواجهة، إذ إن ذلك سيؤدي إلى تعطل إمدادات من إيران، ثالث أكبر منتج في منظمة البلدان المصدرة للبترول “أوبك”، وقد يمتد التأثير إلى منتجين آخرين في الشرق الأوسط، ما يخلق فجوة في المعروض العالمي ويضغط على سلاسل الإمداد والطاقة في الاقتصادات الكبرى.
حسابات طهران بين الردع والسيولة النقدية
تسريع الشحنات لا يمكن قراءته فقط كتحرك عسكري احترازي، بل أيضاً كإدارة نقدية ذكية في توقيت حرج، فزيادة التصدير تعني تعزيز السيولة قبل أي تصعيد قد يعطل الإيرادات، كما تمنح طهران هامش مناورة أوسع في حال فرضت واشنطن قيوداً إضافية أو استهدفت البنية التحتية.
من زاوية أخرى، فإن رفع الصادرات إلى أكثر من 3 ملايين برميل يومياً يبعث برسالة مزدوجة، الأولى إلى الداخل الإيراني بأن الدولة تتحرك لحماية مواردها، والثانية إلى الخارج بأن طهران لا تزال قادرة على ضخ كميات كبيرة في السوق رغم العقوبات، ما يعزز أوراقها التفاوضية.
كيف ينعكس التصعيد على الاقتصاد العالمي
في حال انزلاق الأمور إلى مواجهة مفتوحة، فإن التأثير لن يقتصر على أسعار النفط فحسب، بل سيمتد إلى تكاليف الشحن البحري والتأمين في مضيق هرمز، وهو ممر يمر عبره نحو ثلث إمدادات النفط المنقولة بحراً عالمياً، ما يعني أن أي اضطراب قد ينعكس سريعاً على معدلات التضخم في الاقتصادات المستوردة للطاقة، ويعيد إلى الواجهة مخاوف الركود التضخمي.
كما أن الأسواق الناشئة ستكون الأكثر تأثراً، إذ تعتمد بشكل كبير على استقرار أسعار الطاقة، بينما ستجد الدول الصناعية نفسها أمام معادلة صعبة بين دعم النمو وكبح التضخم، في وقت لا تزال فيه سلاسل الإمداد العالمية تتعافى من اضطرابات سابقة.
بين الدبلوماسية وحافة الهاوية
المشهد الحالي يقف على مفترق طرق حاسم، فإيران تتحرك ميدانياً لتأمين صادراتها، والولايات المتحدة ترفع منسوب الردع العسكري، بينما تحاول قنوات التفاوض في جنيف منع الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، ويبدو أن الأسواق تراهن على أن التصعيد سيبقى في إطار الضغط المتبادل دون انفجار شامل، لكن أي خطأ في الحسابات قد يقلب المعادلة سريعاً.
من المرجح أن تستمر طهران في تسريع شحناتها خلال الأيام المقبلة كإجراء احترازي، بالتوازي مع اختبار جدية المسار الدبلوماسي، فإذا نجحت مفاوضات جنيف في تحقيق اختراق ملموس فقد تهدأ وتيرة الشحن الاستثنائية، أما إذا تعثرت فسيبقى النفط الإيراني في قلب لعبة الردع، وستبقى الأسواق العالمية رهينة أي شرارة في منطقة تعد عصب الطاقة العالمي.




