التاريخ والحضارة

حصار كوبنهاغن 1658 حين كادت السويد تسقط الدنمارك

قبل 467 سنة، وفي خضم حرب الشمال الثانية عامي 1658 و1659، اقتربت السويد بقيادة الملك تشارلز العاشر غوستاف من إسقاط العاصمة الدنماركية كوبنهاغن وإنهاء وجود الدنمارك كدولة مستقلة، وذلك ضمن صراع أوسع للهيمنة على بحر البلطيق والمضايق الاستراتيجية التي تتحكم في تجارة أوروبا الشمالية، غير أن صمود المدافعين الدنماركيين والهولنديين داخل المدينة أفشل الهجوم السويدي، ليبقى اسم كوبنهاغن شاهداً على لحظة تاريخية كادت تعيد رسم خريطة اسكندنافيا بالكامل.

صراع البلطيق وميلاد القوة السويدية

خلال القرن السابع عشر، تحول بحر البلطيق إلى شريان اقتصادي بالغ الأهمية لتجارة القمح والخشب والحديد، وكانت السيطرة عليه تعني التحكم في الملاحة والتجارة شمال أوروبا، ولهذا اشتد التنافس بين القوى المطلة عليه، وفي مقدمتها السويد والدنمارك والكومونولث البولندي الليتواني وروسيا وبروسيا.

خرجت السويد من حرب الثلاثين عاماً وقد عززت مكانتها كقوة عسكرية صاعدة، ومع تنامي طموحاتها التوسعية، سعت إلى تأمين حدودها وفرض هيمنتها على المضايق الاستراتيجية، ليس فقط لحماية تجارتها، بل أيضاً لمنع منافسيها من إعادة بناء قوى بحرية قادرة على تحديها، وكان واضحاً أن مشروع السويد يتجاوز الدفاع إلى بناء إمبراطورية بلطيقية.

بداية حرب الشمال الثانية

عام 1655، استغلت السويد حالة التفكك والانقسام التي عاشها الكومونولث البولندي الليتواني نتيجة حروبه الطويلة مع روسيا، وبدأت غزواً واسعاً لأراضيه، لتندلع حرب الشمال الثانية، وسرعان ما اتسع النزاع ليشمل روسيا والدنمارك وبروسيا، إذ رأت هذه القوى في التوسع السويدي تهديداً مباشراً لمصالحها ووجودها.

كانت الدنمارك تحديداً هدفاً استراتيجياً للسويد، بسبب سيطرتها على عدد من المضايق وفرضها رسوماً على السفن العابرة، وهو ما اعتبرته ستوكهولم إهانة اقتصادية وسياسية، ومع تصاعد المواجهات، وجد الطرفان نفسيهما في صدام مباشر سيحدد مستقبل المنطقة.

إنفوجراف يوضح حصار كوبنهاغن 1658 وأبرز نتائجه التاريخية.

الزحف نحو كوبنهاغن

في صيف 1658، وبعد سلسلة من الانتصارات، دخلت القوات السويدية بقيادة تشارلز العاشر غوستاف مناطق زيلند يوم 7 أغسطس، متقدمة نحو قلب الدنمارك السياسي والعسكري، ومع بلوغها مشارف كوبنهاغن، فرضت حصاراً خانقاً على المدينة في 11 أغسطس، أملاً في إخضاعها سريعاً وإنهاء الدولة الدنماركية من الخارطة.

داخل أسوار العاصمة، تولى نحو 10 آلاف عسكري دنماركي وهولندي مهمة الدفاع، وتحولت المدينة إلى قلعة محصنة، بينما راهن الملك السويدي على الإرهاق والحصار لكسر إرادة المدافعين، معتقداً أن سقوط كوبنهاغن مسألة وقت لا أكثر.

ليلة الهجوم الفاصل

بعد سبعة أشهر من الحصار، قرر السويديون الانتقال من الضغط إلى الحسم، وفي ليل 11 فبراير 1659، تقدم آلاف الجنود السويديين لشن هجوم مباشر على المدينة، ظناً منهم أن الدفاعات أُنهكت وأن الروح المعنوية للمدافعين قد تراجعت، غير أن حسابات الميدان جاءت مغايرة.

كانت كوبنهاغن محصنة جيداً، وتمكن المدافعون من استغلال التحصينات والأسوار لإيقاع خسائر فادحة في صفوف المهاجمين، ومع استخفاف تشارلز العاشر بقدرات خصومه، تحول الهجوم إلى نكسة كبيرة، وأُجبرت القوات السويدية على التراجع بعد أن فشلت في اختراق المدينة، لتضيع بذلك فرصة تاريخية لإسقاط الدنمارك بالكامل.

عندما أنقذ الصمود دولة

استمر الحصار لعام إضافي دون هجوم جديد، لكن الفشل العسكري أضعف الموقف السويدي، ومع تغير موازين القوى، أبرمت الدنمارك عام 1660 معاهدة سلام مع السويد، حافظت بموجبها على استقلالها رغم خسارة بعض الأراضي جنوباً، وبذلك خرجت من أخطر تهديد وجودي في تاريخها الحديث.

لم يكن سقوط كوبنهاغن مسألة مدينة فقط، بل مسألة دولة وهوية سياسية، فلو نجحت السويد في اقتحامها، لأصبحت اسكندنافيا تحت هيمنة سويدية شبه كاملة، ولتغيرت معادلات القوة في بحر البلطيق وربما في أوروبا الشمالية بأسرها.

مفترق طرق الإمبراطوريات الاسكندنافية

تكشف محاولة السويد محو الدنمارك من الخارطة عن طبيعة الصراعات في أوروبا القرن السابع عشر، حيث لم تكن الحروب مجرد نزاعات حدودية، بل مشاريع لإعادة تشكيل الخريطة السياسية والاقتصادية، وكانت المضايق البحرية آنذاك تعادل في قيمتها الاستراتيجية ممرات الطاقة والملاحة العالمية اليوم.

طموح السويد لم يكن آنياً، بل كان رؤية متكاملة لاحتكار طرق التجارة ومنع منافسيها من النهوض مجدداً، غير أن التجربة أظهرت أن التفوق العسكري لا يكفي وحده إذا لم يُحسب حساب التحالفات والمقاومة الداخلية، فقد لعب الدعم الهولندي للمدافعين دوراً حاسماً، كما أن طول أمد الحصار استنزف الزخم السويدي وأفقده عنصر المفاجأة.

في المقابل، أعادت الدنمارك تعريف بقائها من خلال الصمود، فالهزيمة في معركة لا تعني نهاية الدولة إذا ما توفرت الإرادة السياسية والقدرة على تعبئة المجتمع، وهو درس تكرر في محطات عديدة من التاريخ الأوروبي.

بعد قرون من تلك الليالي الحاسمة، ما زال بحر البلطيق مسرحاً لتنافس جيوسياسي متجدد، وتبقى لحظة حصار كوبنهاغن تذكيراً بأن خريطة الدول ليست قدراً ثابتاً، بل نتاج توازنات دقيقة قد تتغير في ليلة واحدة، ولو نجحت السويد عام 1659 في اقتحام العاصمة الدنماركية، لربما حملت اسكندنافيا اليوم اسماً مختلفاً وحدوداً أخرى، غير أن التاريخ اختار مساراً أبقى الدنمارك على الخارطة، وترك لنا واحدة من أكثر لحظات القرن السابع عشر توتراً وإثارة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى