كارثة كيب ماتابان تكشف انهيار البحرية الإيطالية

في ربيع عام 1941، تلقت البحرية الإيطالية ضربة قاصمة قبالة السواحل اليونانية، عندما نجحت البحرية البريطانية بين 27 و29 مارس في استدراج الأسطول الإيطالي إلى معركة ليلية عند كيب ماتابان، مستفيدة من تفوقها التكنولوجي واختراقها للاتصالات الإيطالية، ما أسفر عن إغراق ثلاث طرادات ثقيلة ومدمرتين ومقتل ما لا يقل عن 2300 بحار، في واحدة من أسوأ الهزائم البحرية التي منيت بها إيطاليا خلال الحرب العالمية الثانية، وهي هزيمة كشفت بوضوح حجم الفجوة بين طموحات موسوليني العسكرية وواقع قواته البحرية.
إعلان الحرب وطموح الإمبراطورية
في 10 يونيو 1940، أعلن الدكتاتور الإيطالي بينيتو موسوليني الحرب على فرنسا وبريطانيا، مستغلاً الانهيار السريع للجيش الفرنسي أمام التقدم الألماني، في محاولة لاقتناص مكاسب إقليمية في شرق فرنسا وتعزيز موقع بلاده في معادلة الحرب الأوروبية، لم يكن القرار مجرد اصطفاف سياسي إلى جانب ألمانيا النازية، بل كان تعبيراً عن مشروع أيديولوجي تحدث فيه موسوليني صراحة عن إعادة أمجاد الإمبراطورية الرومانية، واضعاً نصب عينيه البلقان والبحر الأبيض المتوسط باعتبارهما مجالاً حيوياً للنفوذ الإيطالي.
غير أن هذا الطموح اصطدم سريعاً بواقع عسكري مختلف، إذ دخلت إيطاليا الحرب بجيش يعاني من نقص في التجهيز والتحديث، وببحرية لم تواكب التطور التقني الذي شهدته القوى الكبرى، خصوصاً بريطانيا التي كانت ترى في البحر الأبيض المتوسط شرياناً استراتيجياً لإمداد قواتها في مصر ومالطا وشمال أفريقيا.

فجوة التكنولوجيا القاتلة
في الوقت الذي زودت فيه السفن البريطانية والألمانية والأميركية واليابانية بأجهزة الرادار، كانت السفن الإيطالية تفتقر إلى هذه التقنية الحاسمة، ما أجبر البحارة على الاعتماد على الرصد البصري والمناظير التقليدية، وهي وسائل محدودة الفاعلية في ظروف الحرب الحديثة، هذا النقص لم يكن تفصيلاً تقنياً، بل كان عاملاً فاصلاً في موازين القوة، لأن الرادار منح البريطانيين قدرة على كشف التحركات ليلاً وتحديد الأهداف بدقة قبل أن يراهم الخصم.
إضافة إلى ذلك، عانت المدافع والذخائر الإيطالية من مشكلات تصنيع أثرت في دقتها، كما لم تكن السفن مجهزة بشكل كاف بأسلحة مضادة للطائرات، وافتقر عدد كبير من المدمرات لأجهزة السونار، ما جعلها ضعيفة أمام تهديد الغواصات وبسبب غياب الرادار، أصبحت السفن الإيطالية شبه عاجزة عن خوض المعارك الليلية، وهو ضعف استغله البريطانيون بأقصى درجة ممكنة.
هجوم تارينتي والاختراق البريطاني
في نوفمبر 1940، شنت البحرية البريطانية هجوماً جريئاً على ميناء تارينتي الإيطالي، أدى إلى تعطيل قسم مهم من الأسطول الإيطالي، شكل هذا الهجوم صدمة استراتيجية، ودفع روما إلى التفكير في رد انتقامي عبر استهداف سفن الإمداد البريطانية التي كانت تنقل العتاد من مصر إلى اليونان.
غير أن البريطانيين لم يكونوا يتحركون في الظلام، فقد نجحت لندن في اختراق الإرسالات الإيطالية، ما أتاح لها معرفة مسبقة بتحركات الأسطول الإيطالي وخططه، هذا التفوق الاستخباراتي، إلى جانب التفوق التكنولوجي، مهد الطريق لإعداد فخ محكم في عرض البحر.

كيب ماتابان ليلة السقوط
أرسلت إيطاليا أسطولاً يضم نحو 20 قطعة حربية بقيادة البارجة فيتوريو فينيتو، وضمنه نحو 13 مدمرة، بهدف ضرب سفن الإمداد البريطانية لكن البريطانيين، الذين بدأوا تنفيذ خطتهم المضادة منذ 27 مارس 1941، اعتمدوا على الطائرات المنطلقة من حاملات الطائرات لشن ضربات جوية أربكت التشكيل الإيطالي وأبطأت تقدمه قبالة كيب ماتابان.
ومع حلول الليل، ظهرت الفجوة الحقيقية، إذ استخدمت السفن البريطانية راداراتها لتحديد مواقع القطع الإيطالية بدقة، ثم باغتتها بهجمات مركزة في الظلام، بينما كان الإيطاليون يفتقرون إلى القدرة على الرصد أو الرد الفعال، خلال يومي 27 و29 مارس، أغرقت ثلاث طرادات ثقيلة ومدمرتان، وسقط ما لا يقل عن 2300 بحار إيطالي بين قتيل ومفقود، في خسارة بشرية ومادية هائلة وصفت بأنها أسوأ هزيمة بحرية لإيطاليا في الحرب العالمية الثانية.
حين تتحول الطموحات إلى عبء استراتيجي
تكشف معركة كيب ماتابان أن المشكلة لم تكن في شجاعة البحارة الإيطاليين، بل في فجوة بنيوية بين الخطاب السياسي والقدرة العسكرية الفعلية، موسوليني دخل الحرب مدفوعاً برغبة في اقتسام الغنائم مع ألمانيا قبل أن تنتهي المعركة في أوروبا الغربية، لكنه لم يمنح مؤسسته العسكرية الوقت أو الموارد الكافية للحاق بثورة التكنولوجيا العسكرية، خصوصاً في مجالات الرادار والحرب الجوية والبحرية المشتركة.
كما أن الاعتماد على خطط هجومية منفصلة عن الاستراتيجية الألمانية في البحر المتوسط جعل إيطاليا تتحمل أعباء عملياتية أكبر من قدراتها، في وقت كانت فيه بريطانيا تدير معركتها هناك باعتباره خط دفاع عن إمبراطوريتها العالمية، اختراق الاتصالات الإيطالية لم يكن مجرد نجاح استخباراتي عابر، بل دليل على ضعف منظومة القيادة والسيطرة، وهو ضعف تضاعف أثره مع غياب الرادار والدفاعات الجوية الفعالة.
بهذا المعنى، كانت كيب ماتابان لحظة انكشاف استراتيجي، أكدت أن إعادة أمجاد روما لا تتحقق بالشعارات، بل ببنية صناعية وتقنية واستخباراتية متماسكة، وهو ما افتقدته إيطاليا في تلك المرحلة الحاسمة.
في ضوء ما حدث عند كيب ماتابان، بدا واضحاً أن البحرية الإيطالية لن تتمكن من فرض سيطرة حاسمة على البحر الأبيض المتوسط، وأن ميزان القوى سيميل تدريجياً لصالح الحلفاء، ومع استمرار التفوق البريطاني في التكنولوجيا والاستخبارات، كان من المرجح أن تتعمق خسائر إيطاليا البحرية، وأن يتحول حلم موسوليني بإحياء الإمبراطورية إلى عبء استراتيجي سرّع في إنهاك دولته خلال سنوات الحرب اللاحقة.




