نظام التفاهم الأوروبي كيف جنب القارة حرباً عالمية لمدة 100 عام

منذ نهاية الحروب النابليونية عام 1815، اعتمدت القوى الأوروبية الكبرى نظاماً سياسياً ودبلوماسياً عُرف بـ نظام التفاهم الأوروبي، وهو آلية جماعية لإدارة الخلافات والحفاظ على توازن القوى ومنع هيمنة دولة واحدة على القارة، هذا النظام، الذي تأسس في مؤتمر فيينا عقب سقوط نابليون بونابرت، نجح في تجنيب أوروبا حرباً شاملة بين القوى العظمى لما يقارب مئة عام، حتى انهار مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، بعدما عجزت الدبلوماسية عن احتواء تصاعد القوميات وسباق التسلح والتحالفات المتصلبة.
من فوضى الثورة إلى هندسة الاستقرار
منذ اندلاع الثورة الفرنسية عام 1789، دخلت أوروبا مرحلة اضطراب عميق، إذ تشكلت تحالفات متتالية لمواجهة فرنسا الثورية ومنع انتشار أفكارها، ثم جاءت حقبة نابليون بونابرت الذي أنهى الثورة عملياً عام 1799 بإعلانه حكومة القناصل، قبل أن ينصب نفسه إمبراطوراً ويقود القارة إلى سلسلة من الحروب العنيفة.
انتهت تلك الحروب بتنازل نابليون عن العرش ونفيه إلى جزيرة سانت هيلينا، لكن آثارها كانت مدمرة سياسياً وجغرافياً، ما دفع القوى الأوروبية إلى البحث عن صيغة تمنع تكرار التجربة، هنا جاء مؤتمر فيينا بين عامي 1814 و1815، بمشاركة بريطانيا وروسيا والنمسا وبروسيا، إضافة إلى إسبانيا والبرتغال ومملكتي سردينيا وصقلية، وحتى فرنسا نفسها ممثلة بوفد عن الملك لويس الثامن عشر.
الهدف لم يكن فقط إعادة رسم الخريطة، بل تأسيس نظام دائم يحول دون ظهور نابليون جديد.
ولادة نظام التفاهم الأوروبي
في فيينا، اتفقت القوى الكبرى على مبدأ توازن القوى، أي ألا تُترك دولة لتتفوق إلى درجة تهدد الآخرين، أُعيدت أنظمة ملكية سقطت، ورسمت حدود جديدة عززت مكانة روسيا وبروسيا والنمسا، وأسهمت في إنشاء مملكة هولندا، كما أُعيد إدماج فرنسا في المنظومة الأوروبية رغم هزيمتها، في خطوة تعكس إدراكاً مبكراً لأهمية احتواء الخصم بدل عزله.
ومن رحم هذا الترتيب نشأ ما عرف بسياسة التوافق أو التفاهم الأوروبي، وهي آلية تقوم على عقد مؤتمرات دورية بين القوى الكبرى لحل الأزمات قبل تحولها إلى حروب كما أعلن التحالف المقدس بين روسيا وبروسيا والنمسا، بهدف إدارة الخلافات وفق رؤية محافظة تستند إلى الشرعية الملكية ومواجهة الحركات الثورية.
بهذا، تحولت الدبلوماسية من رد فعل إلى نظام وقائي منظم.
آلية العمل بين الردع والحوار
ضم النظام في مرحلته الأولى النمسا وبريطانيا وروسيا وبروسيا، ثم انضمت فرنسا لاحقاً، وكانت هذه الدول تجتمع دورياً لبحث الأزمات الأوروبية، سواء تعلق الأمر بثورات داخلية أو نزاعات حدودية.
في عشرينيات القرن التاسع عشر بدأت التباينات تظهر، لكن الاجتماعات استمرت بشكل متقطع، ما حافظ على الحد الأدنى من التنسيق بين القوى الكبرى ورغم أن النظام لم يمنع جميع الحروب، مثل النزاعات المرتبطة بالوحدة الإيطالية وصعود القومية الألمانية، فإنه حال دون انفجار صراع شامل بين القوى العظمى نفسها.
بعد توحيد ألمانيا عام 1871 بقيادة بروسيا والمستشار أوتو فون بسمارك، دخل النظام مرحلة ثانية، إذ تبنى بسمارك سياسة مؤتمرات نشطة تهدف إلى عزل الخصوم ومنع تشكل تحالفات معادية لألمانيا، ساهمت هذه الدبلوماسية في إدارة التنافس الاستعماري خارج أوروبا وتجنب المواجهة المباشرة داخلها.
لماذا صمد النظام قرناً كاملاً
يكمن سر نجاح نظام التفاهم الأوروبي في عدة عناصر مترابطة، أولها الإدراك الجماعي لكلفة الحروب النابليونية، وثانيها وجود قادة براغماتيين أدركوا أن التوازن أفضل من المغامرة، وثالثها مرونة التحالفات التي كانت قابلة لإعادة التشكيل حسب المصالح.
كما أن النظام اعتمد على فكرة أن استقرار أوروبا مسؤولية جماعية، وأن أي خلل في ميزان القوى سيؤدي إلى رد فعل مضاد يعيد التوازن، هذه الفلسفة حدّت من اندفاع الدول نحو الحسم العسكري السريع، ودفعت نحو البحث عن حلول تفاوضية.
حين عجزت الدبلوماسية
رغم نجاحه الطويل، لم يكن النظام مثالياً، فقد عصف به ربيع الثورات عام 1848، وتنامت القوميات في إيطاليا وألمانيا، وبرزت تناقضات عميقة بين الإمبراطوريات متعددة القوميات ومع مطلع القرن العشرين، تغيرت طبيعة العلاقات الدولية، إذ تصاعد سباق التسلح، وتصلبت التحالفات، وبدأت الأزمات الإقليمية تتحول إلى اختبارات قوة.
بحلول عام 1914، لم تعد المؤتمرات كافية لضبط التوتر، فانفجرت الحرب العالمية الأولى، التي استمرت أكثر من أربع سنوات وأسفرت عن نحو 20 مليون ضحية، معلنة نهاية قرن من التوازن النسبي.
ميزان القوى بين الواقعية والطموح القومي
يكشف نظام التفاهم الأوروبي أن الاستقرار لا يقوم على المثالية بل على إدارة المخاوف المتبادلة، فالقوى الكبرى لم تتفق بدافع القيم المشتركة بقدر ما اتفقت خوفاً من الفوضى، غير أن هذا التوازن كان هشاً أمام صعود القومية الحديثة التي أعادت تعريف الولاء من العرش إلى الأمة، وحولت النزاعات من صراعات نخب حاكمة إلى قضايا شعبية ملتهبة يصعب احتواؤها في غرف المؤتمرات.
كما أن التحول الصناعي والعسكري غير طبيعة القوة ذاتها، فباتت الجيوش أكثر فتكاً، وأصبح الزمن السياسي أسرع من قدرة الدبلوماسية التقليدية على الاستجابة، ما جعل النظام الذي نجح في القرن التاسع عشر يبدو بطيئاً وعاجزاً في القرن العشرين.
ماذا بعد قرن من التجربة
تظهر تجربة التفاهم الأوروبي أن الأنظمة الدولية يمكن أن تطيل أمد السلام إذا قامت على توازن حقيقي وإدماج للخصوم ضمن منظومة مشتركة، لكنها تظل رهينة بقدرتها على التكيف مع التحولات البنيوية في السياسة والمجتمع وبالنظر إلى المعطيات التاريخية، فإن أي نظام دولي لا يطوّر أدواته لمواكبة التغيرات العميقة في موازين القوى والهويات السياسية سيكون معرضاً للانهيار، كما حدث عام 1914، حين أثبتت الحرب أن السلام الطويل لا يعني سلاماً دائماً، بل هدنة مشروطة بحسن إدارة التوازنات.




