بسبب حروب نابليون.. اكتشاف أنقذ حياة الملايين سنوياً

في خضم حروب نابليون مطلع القرن التاسع عشر، وأثناء سعي فرنسا لتأمين البارود بسبب الحصار البريطاني ونقص نيترات البوتاسيوم، قاد خطأ كيميائي غير مقصود عام 1811 إلى اكتشاف عنصر اليود على يد الكيميائي الفرنسي برنارد كورتوا في مدينة ديجون، وهو الاكتشاف الذي تحوّل لاحقاً إلى حجر أساس في الطب الحديث، خاصة في علاج اضطرابات الغدة الدرقية وتعقيم الجروح، لينقذ سنوياً حياة ملايين البشر حول العالم.
نقص البارود يشعل شرارة الاكتشاف
اندلعت الحروب النابليونية في مطلع القرن التاسع عشر واستمرت حتى سقوط نابليون بونابرت وتنازله النهائي عن العرش، وكانت أوروبا آنذاك تعيش واحدة من أكثر مراحلها دموية واضطراباً، حيث سقط ملايين الضحايا بين قتيل وجريح، في ظل الحصار القاري الذي فرضه نابليون ضد بريطانيا، واجهت فرنسا أزمة حادة في الموارد الاستراتيجية، وعلى رأسها نيترات البوتاسيوم، المادة الأساسية في صناعة البارود.
لم تكن فرنسا تمتلك احتياطيات طبيعية كافية من هذه المادة، ما اضطرها إلى البحث عن بدائل غير تقليدية، لجأت السلطات إلى تخمير الروث والفضلات النباتية لاستخراج نيترات البوتاسيوم، وهي عملية بطيئة ومعقدة كثيراً ما أدت إلى نقص في الإمدادات العسكرية، هذا الضغط الصناعي والعسكري فتح الباب أمام الكيميائيين لتجريب طرق جديدة وأكثر فعالية، وكان من بينهم برنارد كورتوا.
تجربة كيميائية تتحول إلى لحظة تاريخية
ولد برنارد كورتوا عام 1777 في ديجون، واشتهر لاحقاً بإسهاماته في تطوير المورفين، لكنه خلال سنوات الحرب انخرط في محاولات استخراج نيترات البوتاسيوم من الطحالب البحرية، باعتبارها مصدراً غنياً بالأملاح، اعتمد كورتوا في تجاربه على معالجة بقايا الطحالب باستخدام حمض الكبريتيك.
عام 1811، وأثناء إحدى هذه العمليات، سكب كورتوا عن طريق الخطأ كمية كبيرة من حمض الكبريتيك على بقايا الطحالب، فتصاعد بخار بنفسجي كثيف أثار دهشته وعند تكاثف هذا البخار، تحوّل إلى مادة صلبة سوداء لامعة ذات خصائص غير مألوفة، أدرك كورتوا أنه أمام مادة جديدة، لكنه لم يمتلك الإمكانيات المالية ولا المخبرية الكافية لإجراء تحاليل متقدمة تثبت طبيعتها.
لاحقاً، تولى العالمان جوزيف لويس غي لوساك وهمفري دافي دراسة المادة الجديدة، وأكدا أنها عنصر كيميائي غير معروف من قبل، وأُطلق عليه اسم “اليود” اشتقاقاً من الكلمة اليونانية التي تعني البنفسجي، في إشارة إلى لون بخاره المميز.

من ساحة المعركة إلى غرف العمليات
لم يكن أحد في زمن نابليون يتوقع أن الاكتشاف المرتبط بأزمة بارود سيصبح بعد عقود ركناً أساسياً في الصحة العامة العالمية، اليود اليوم عنصر لا غنى عنه في صناعة الأدوية، وعلى رأسها أدوية علاج اضطرابات الغدة الدرقية، إذ تعتمد هذه الغدة على اليود لإنتاج هرموناتها الحيوية التي تنظم عمليات الأيض والنمو ووظائف الدماغ.
كما أصبح اليود مطهراً أساسياً لتعقيم الجروح والعمليات الجراحية، وأسهم إدخاله في المجال الطبي في خفض معدلات العدوى والوفيات، إضافة إلى استخدامه في المجالين الصناعي والزراعي وتشير التقديرات الطبية الحديثة إلى أن برامج تدعيم ملح الطعام باليود وحدها أسهمت في حماية مئات الملايين من البشر من اضطرابات خطيرة مثل تضخم الغدة الدرقية والتأخر العقلي الناتج عن نقص اليود، ما يجعل هذا العنصر أحد أكثر الاكتشافات تأثيراً في الصحة العامة عبر التاريخ.
مفارقة العبقرية والفقر
رغم أهمية اكتشافه، لم يجنِ برنارد كورتوا أرباحاً تذكر من اليود، إذ لم يتمكن من تسجيل براءة اختراع بسبب وضعه المادي المتدهور ومع نهاية حكم نابليون، ساءت أوضاعه المالية بشكل حاد، وغرق في الديون، ليقضي سنواته الأخيرة في فقر واضح قبل أن يتوفى عام 1838 في ظروف صعبة، في مفارقة تجسد التباين القاسي بين عظمة الاكتشاف ومصير مكتشفه.
عندما تصنع الأزمات قفزات الحضارة
تكشف قصة اكتشاف اليود عن نمط تاريخي متكرر، حيث تدفع الحروب البشرية إلى حافة الانهيار، لكنها في الوقت ذاته تسرّع الابتكار تحت ضغط الضرورة ففي خضم البحث عن أدوات للدمار، وُلد عنصر أصبح أداة للحياة، هذه المفارقة تعكس طبيعة التطور الإنساني، إذ كثيراً ما تكون الحاجة الملحّة هي المحرك الأعمق للعلم.
غير أن ما يميز حالة اليود ليس فقط كونه نتيجة عرضية لحرب طاحنة، بل تحوله إلى سياسة صحية عالمية عبر برامج تدعيم الأغذية ومكافحة نقص العناصر الدقيقة، وهي خطوة لم تكن لتتحقق لولا تراكم المعرفة الطبية لاحقاً بمعنى آخر، الاكتشاف وحده لا ينقذ الملايين، بل الإرادة السياسية والعلمية في توظيفه لصالح الإنسان.
ما الذي تخبرنا به قصة اليود اليوم
إذا كانت حروب نابليون قد أطلقت شرارة اكتشاف اليود بسبب نقص البارود، فإن عالم اليوم يعيش أزمات مختلفة، من أوبئة إلى تغير مناخي ونقص في الموارد، قد تدفع بدورها إلى اكتشافات غير متوقعة، التجربة التاريخية تشير إلى أن الضغوط الكبرى كثيراً ما تعيد تشكيل أولويات البحث العلمي، وقد تقود إلى حلول تنقذ حياة أجيال كاملة.
يبدو أن الأزمات الراهنة ستدفع نحو استثمارات أكبر في علوم الصحة العامة والتكنولوجيا الحيوية، وربما نشهد خلال العقود المقبلة اكتشافات ولدت تحت ضغط الضرورة، تماماً كما حدث مع اليود قبل أكثر من قرنين، لتثبت مجدداً أن من رحم الصراع قد يولد ما يحمي الحياة لا ما ينهيها.




