العرب والعالم

ترامب ينفي مسودة الهدنة بين إيران وواشنطن وسط تضارب أميركي إيراني

دخل وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل يومه الثاني بعد حرب استمرت أربعين يوماً، لكن الهدوء العسكري النسبي لم ينه الجدل السياسي والدبلوماسي حول مسودة هدنة جرى تداولها في الإعلام ونسبت إلى مفاوضات بين طهران وواشنطن، إذ سارع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى نفي صحتها بالكامل، بينما قدمت طهران في المقابل تصوراً لبنود قالت إنها مطروحة ضمن الخطة المزعومة، ما وضع الملف في دائرة تضارب علني يكشف حساسية المرحلة التي تسبق أولى جلسات التفاوض المرتقبة بين الجانبين في إسلام آباد.

تفاصيل الجدل حول المسودة

بدأ اللغط مع تسريب خطة مؤلفة من عشرة بنود قيل إنها تتعلق بوقف الحرب وترتيبات ما بعدها، إلا أن ترامب وصف هذه الخطة اليوم الخميس بأنها زائفة بالكامل، وقال في منشور على منصة تروث سوشيال إن ما نشرته نيويورك تايمز وسي إن إن بشأن المفاوضات مع إيران مزيف بالكامل، معتبراً أن الهدف من ذلك هو تشويه سمعة الأشخاص المشاركين في عملية السلام، ومؤكداً أن البنود العشرة كلها مجرد خدعة.

هذا النفي لم يأت منفصلاً عن مواقف أخرى داخل الإدارة الأميركية، إذ كشف نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس مساء الأربعاء أنه قرأ ثلاث مسودات جرى تداولها، وقال إن الأولى كتبت عبر تشات جي بي تي وألقيت في سلة المهملات، بينما كانت الثانية أكثر منطقية وهي ما أشار إليه ترامب سابقاً على أنه قد يشكل أساساً للنقاش، أما الثالثة فوصفها بأنها أكثر تشدداً من الأولى، ويفيد هذا التوصيف بأن ما يتداول إعلامياً لا يعكس بالضرورة صيغة تفاوضية واحدة مستقرة أو معتمدة.

ماذا تضمنت الخطة المتداولة

بحسب ما نشره الجانب الإيراني أمس عن بعض بنود الخطة المزعومة، فإن المسودة تضمنت استمرار السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، ورفع العقوبات الدولية المفروضة على البلاد، والقبول بتخصيب اليورانيوم مع مناقشة مستويات التخصيب، إضافة إلى إنهاء الحرب على جميع الجبهات بما فيها لبنان، كما تضمنت انسحاب القوات القتالية الأميركية من جميع القواعد ونقاط الانتشار العسكرية في المنطقة، ودفع تعويضات لإيران عن أضرار الحرب.

وشملت البنود المتداولة أيضاً إلغاء القرارات الصادرة عن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس الأمن ضد طهران، والإفراج عن جميع الأصول والأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، فضلاً عن الدعوة إلى إقرار هذه الترتيبات ضمن قرار ملزم يصدر عن مجلس الأمن الدولي وتحويل الاتفاق إلى قانون دولي ملزم، غير أن هذه البنود تظل وفق المعطيات المتاحة رواية منشورة من الجانب الإيراني، بينما نقلت وكالة رويترز عن مسؤول أميركي أن الخطة المؤلفة من عشرة نقاط التي نشرتها إيران ليست مجموعة الشروط نفسها التي وافق عليها البيت الأبيض لوقف الحرب.

لماذا يبدو الخلاف أكثر من مجرد نفي إعلامي

أهمية هذا التضارب لا ترتبط فقط بصحة الوثيقة المسربة، بل بما يكشفه عن طبيعة التفاوض نفسه، فعندما تنفي واشنطن الخطة بشكل قاطع وتؤكد عبر أكثر من مستوى سياسي أن البنود المتداولة لا تمثل الاتفاق الذي قبله البيت الأبيض، فإن ذلك يعني أن مساحة التفاهم ما زالت قيد التشكل، وأن المعركة انتقلت من الجبهة العسكرية إلى جبهة تعريف شروط التهدئة وحدودها السياسية والأمنية.

كما أن الفارق بين ما نشرته إيران وبين ما نفاه المسؤولون الأميركيون يشير إلى أن كل طرف يحاول تثبيت روايته المبكرة حول شكل التسوية الممكنة، فالبنود التي تحدثت عنها طهران تمس ملفات سيادية وإقليمية ودولية واسعة، من مضيق هرمز إلى العقوبات والوجود العسكري الأميركي والأموال المجمدة والقرارات الدولية، ولذلك فإن تداولها في هذا التوقيت يرفع سقف التوقعات ويجعل أي تراجع لاحق أكثر كلفة سياسياً، حتى لو كانت هذه البنود لم تعتمد فعلياً كأساس نهائي للتفاوض.

المفاوضات المرتقبة واختبار النوايا

يأتي هذا الجدل في وقت يرتقب فيه سفر وفدين من إيران والولايات المتحدة إلى إسلام آباد غداً الجمعة لعقد أولى جلسات التفاوض يوم السبت المقبل، ومن المقرر أن يقود فانس الوفد الأميركي المكلف بهذه المحادثات إلى جانب المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير، بينما سيترأس رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي وفد بلديهما، ما يمنح الجولة المقبلة ثقلاً سياسياً واضحاً من الجانبين.

وتكمن أهمية هذا التطور في أن وقف إطلاق النار لا يكفي وحده لضمان تثبيت التهدئة إذا بقيت شروط ما بعد الحرب محل نزاع علني، فالتضارب حول مسودة الهدنة بين إيران وواشنطن قد ينعكس مباشرة على مناخ المحادثات المقبلة، لأن أي تفاوض جاد يحتاج إلى أرضية مفهومة ومعلنة نسبياً حول ما هو مطروح وما هو مرفوض، بينما توحي التصريحات الحالية بأن النقاش لم يصل بعد إلى صيغة مستقرة يمكن البناء عليها بثقة.

لماذا هذا التطور مهم الآن

الخبر مهم الآن لأن المنطقة انتقلت من مرحلة الحرب المفتوحة إلى مرحلة اختبار القدرة على تحويل التهدئة إلى مسار سياسي قابل للاستمرار، وفي مثل هذه اللحظات يصبح مضمون الوثائق المسرّبة جزءاً من المشهد نفسه، سواء كانت صحيحة أو مزيفة، لأن أثرها يتجاوز الإعلام إلى التأثير على حسابات الأطراف وتوقعات الرأي العام ومساحة المناورة لدى المفاوضين.

ومن زاوية عملية، فإن البنود التي جرى تداولها تمس قضايا شديدة الحساسية ترتبط بأمن المنطقة والملاحة في مضيق هرمز والعقوبات الدولية والوجود العسكري الأميركي، ولذلك فإن نفيها أو تأكيدها ليس تفصيلاً شكلياً، بل عنصر أساسي في تحديد ما إذا كانت المفاوضات تتجه نحو تثبيت وقف الحرب ضمن تفاهم محدود، أم نحو محاولة أوسع لإعادة ترتيب ملفات أكثر تعقيداً دفعة واحدة.

يكشف الجدل حول مسودة الهدنة بين إيران وواشنطن أن اليوم الثاني من وقف إطلاق النار لا يقل حساسية عن أيام الحرب نفسها، فبينما تنفي واشنطن صحة البنود المتداولة وتصف بعضها بأنه مزيف أو غير معتمد، تطرح طهران رواية مغايرة تتضمن مطالب وترتيبات واسعة النطاق، وبين هذين المسارين ستحدد مفاوضات إسلام آباد ما إذا كان وقف النار بداية لتفاهم سياسي منظم، أم مجرد هدنة هشة لم تتفق أطرافها بعد على معناها الفعلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى