تركيا: لجنة برلمانية لمناقشة نزع سلاح PKK بقرار إردوغان

في خطوة تاريخية ومحورية، أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يوم السبت الموافق 12 يوليو 2025، عن تشكيل لجنة برلمانية مخصصة لمناقشة المتطلبات القانونية اللازمة لنزع سلاح حزب العمال الكردستاني، يأتي هذا الإعلان ليؤكد أن “47 عامًا من الإرهاب قد بلغت مرحلتها الأخيرة”، وهو ما يمثل تحولاً جذريًا في نهج تركيا للتعامل مع هذا الصراع الذي أرهق البلاد لعقود من الزمن، يشير هذا التطور إلى مرحلة جديدة في جهود تركيا لإنهاء الصراع مع الحزب المصنف إرهابياً، ويفتح الباب أمام آفاق أوسع للسلام والاستقرار في المنطقة.
خلفية الصراع الطويل مع حزب العمال الكردستاني
يمثل الصراع مع حزب العمال الكردستاني تحديًا كبيرًا واجهته تركيا منذ عام 1984، وقد خلف هذا النزاع عواقب وخيمة على الصعيدين البشري والاقتصادي، فبحسب تصريحات الرئيس إردوغان من أنقرة، فإن الإرهاب كلف البلاد ما يقارب تريليوني دولار، وأسفر عن سقوط عدد كبير من الضحايا ويمكن تلخيص الأضرار التي لحقت بتركيا جراء هذا الصراع في النقاط التالية:
- خسائر اقتصادية فادحة تقدر بتريليوني دولار.
- سقوط حوالي 10,000 من أفراد الأمن.
- مقتل ما يقرب من 50,000 مواطن مدني.
هذه الأرقام تعكس حجم المعاناة التي عاشتها تركيا نتيجة للأنشطة المسلحة لحزب العمال الكردستاني، مما يجعل إعلان تشكيل لجنة لنزع السلاح خطوة ذات أهمية قصوى نحو تحقيق سلام دائم واستعادة الاستقرار.

نهج إردوغان في مكافحة الإرهاب والتعامل مع الأكراد
لقد أكد الرئيس إردوغان مرارًا على أن تركيا قد خاضت حربًا شاملة ضد الإرهاب، ولكنها في الوقت ذاته حرصت على مد يد العاون “لإخواننا الأكراد”، بهدف إظهار أن مصالح الوطن ومصالحهم تأتي في المقام الأول، يرتكز هذا النهج على مبدأين أساسيين:
- مكافحة حازمة لجميع أشكال الإرهاب التي تهدد أمن تركيا واستقرارها.
- العمل على بناء جسور الثقة والتعاون مع المواطنين الأكراد، والتأكيد على أن أهداف الدولة لا تتعارض مع حقوقهم وطموحاتهم، بل تسعى لتحقيق الرفاهية للجميع ضمن إطار الوحدة الوطنية.
هذا التوازن بين الأمن والتنمية، وبين مكافحة الإرهاب والانفتاح على المكون الكردي، يمثل حجر الزاوية في السياسة التركية الرامية إلى حل شامل ومستدام للصراع.
خطوات عملية نحو نزع السلاح
جاء إعلان إردوغان بعد تطورات ميدانية مهمة تشير إلى نية حقيقية لنزع السلاح من قبل مقاتلي حزب العمال الكردستاني. ففي يوم الجمعة الذي سبق الإعلان، بدأت مجموعات من مقاتلي الحزب في تسليم أسلحتهم بالقرب من مدينة السليمانية شمال العراق وشملت هذه الخطوات الرمزية والعملية ما يلي:
- قيام ثلاثين مسلحًا من حزب العمال الكردستاني بحرق أسلحتهم عند مدخل كهف في شمال العراق.
- يعتبر هذا الإجراء رمزًا قويًا على التحرك نحو إنهاء التمرد المسلح.
هذه المبادرات تأتي في سياق قرار حزب العمال الكردستاني الذي صدر في مايو الماضي، والقاضي بحل نفسه وإنهاء الكفاح المسلح، وذلك استجابة لدعوة علنية من زعيمهم المسجون منذ فترة طويلة، عبد الله أوجلان، تمثل هذه التطورات مؤشرات إيجابية على أن هناك إرادة حقيقية من قبل الأطراف المعنية للتوجه نحو حل سلمي للصراع.
تأثير المتغيرات الإقليمية على جهود مكافحة الإرهاب
أشار الرئيس إردوغان إلى أن التغيرات الجيوسياسية الحاصلة في كل من سوريا والعراق قد ساهمت بشكل كبير في دعم جهود تركيا للتعامل مع التهديدات الإرهابية، هذه المتغيرات تتضمن، على سبيل المثال لا الحصر، النقاط التالية:
- تحولات في المشهد السياسي والأمني في سوريا، والتي أثرت على طرق إمداد وتكتيكات الجماعات الإرهابية.
- تطورات الوضع الأمني في العراق، والتي قد تكون قد قللت من قدرة حزب العمال الكردستاني على التحرك والعمليات عبر الحدود.
- ربما تشمل هذه التغيرات أيضًا ضغوطًا دولية أو إقليمية على الجماعات المسلحة لإلقاء السلاح والدخول في عمليات سلام.
إن الاستفادة من هذه الظروف الإقليمية المتغيرة يمثل عاملًا حاسمًا في تقدم تركيا نحو تحقيق هدفها في القضاء على الإرهاب وتحقيق الأمن المستدام.

دور اللجنة البرلمانية في تحديد المتطلبات القانونية
تتمثل أهمية تشكيل لجنة برلمانية لمناقشة نزع سلاح حزب العمال الكردستاني في كونها ستتولى دراسة الجوانب القانونية والفنية المعقدة لهذه العملية وستكون مهام اللجنة محورية في:
- تحديد الأطر القانونية اللازمة لضمان تسليم السلاح بشكل كامل ودائم.
- وضع آليات واضحة لدمج المقاتلين السابقين في المجتمع المدني، إن اقتضت الحاجة.
- دراسة أي تعديلات تشريعية قد تكون ضرورية لتسهيل عملية السلام ونزع السلاح.
- التعامل مع الجوانب الأمنية والإنسانية المرتبطة بإنهاء التمرد المسلح.
- التنسيق مع الجهات التنفيذية والأمنية لضمان التنفيذ السلس لأي قرارات تتخذها.
إن وجود هذه اللجنة يضفي طابعًا رسميًا وقانونيًا على عملية نزع السلاح، ويؤكد على جدية الدولة في متابعة هذا الملف الحيوي، مما يعزز الثقة في العملية ويفتح آفاقًا لحلول مستدامة.
آفاق السلام والتحديات المستقبلية
يمثل إعلان الرئيس رجب طيب إردوغان عن تشكيل لجنة برلمانية لمناقشة نزع سلاح حزب العمال الكردستاني نقطة تحول مفصلية في تاريخ الصراع التركي مع هذه المنظمة، فبعد عقود من النزاع الذي استنزف الموارد البشرية والاقتصادية، تبدو المؤشرات الحالية، بما فيها تسليم مقاتلي الحزب لأسلحتهم ودعوات زعيمهم لإنهاء الكفاح المسلح، مبشرة بعهد جديد من السلام والاستقرار، إن هذه الخطوة لا تقتصر على إنهاء العنف فحسب، بل تفتح المجال أمام معالجة الأسباب الجذرية للصراع وتعزيز الوحدة الوطنية ومع ذلك، فإن الطريق نحو السلام الدائم قد لا يخلو من التحديات، وستكون مهمة اللجنة البرلمانية حاسمة في صياغة الإطار القانوني والاجتماعي الذي يضمن تحقيق هذا الهدف الطموح، إن التزام تركيا بمكافحة الإرهاب مع مد يد التعاون لإخوانها الأكراد، يعكس رؤية شاملة لمستقبل أفضل للجميع.




