أندرو كارنيجي: قصة أغنى رجل في العالم الذي تبرع بثروته كاملة

أندرو كارنيجي هو مهاجر اسكتلندي بدأ حياته من تحت خط الفقر كعامل بسيط براتب دولار واحد أسبوعياً، ليتحول بفضل ذكائه الاستثماري إلى أغنى رجل في تاريخ البشرية (بثروة تقدر بـ 375 مليار دولار بمعايير اليوم)، اشتهر ليس فقط ببناء إمبراطورية الصلب الأمريكية، بل بكونه “أبو العمل الخيري” الذي تنازل عن ثروته كاملة قبل وفاته لصالح العلم والسلام.
رحلة الصعود: من بؤس “دنفرملاين” إلى مجد أمريكا
ولد كارنيجي عام 1835 في اسكتلندا لعائلة كادحة عانت من ويلات الثورة الصناعية التي أفقدت والده مهنته كـنساج يدوي. هذا البؤس كان الدافع وراء هجرة العائلة إلى الولايات المتحدة عام 1848 بحثاً عن لقمة العيش.
المحطات الأولى في حياة العصامي:
-
عامل بكرات: بدأ بعمر 12 عاماً براتب 1.20 دولار أسبوعياً.
-
عامل تلغراف: استغل ذاكرته القوية لحفظ مواقع الشركات، مما فتح له أبواب العلاقات العامة.
-
قطاع السكك الحديدية: تعلم أسرار الإدارة والاستثمار تحت رعاية توماس سكوت، وبدأ أولى استثماراته باقتراض المال بضمان منزل والدته.
إن قصة كارنيجي ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي درس عملي في الذكاء المالي والمسؤولية الاجتماعية. للمواطن الطموح: تؤكد القصة أن التعليم الذاتي (حيث كان يثقف نفسه في مكتبات المتبرعين) هو المفتاح الحقيقي لتغيير الواقع المادي، وليس الشهادات الرسمية فقط، للمجتمع: يرسخ كارنيجي مفهوم “إنجيل الثروة”، وهو أن الغني ليس “مالكاً” للمال بل “مؤتمناً” عليه، وأن النجاح الحقيقي يُقاس بحجم الأثر الذي تتركه في حياة الآخرين عبر بناء المؤسسات التعليمية والثقافية، وليس بتكديس الأرقام في البنوك.
عصر العمالقة والتحول الصناعي
في أواخر القرن التاسع عشر، كان العالم يمر بمرحلة انتقالية كبرى تشبه “الثورة التكنولوجية” الحالية، في ذلك الوقت، كان كارنيجي يتنافس مع أقطاب مثل جون روكفلر وجيه بي مورغان وبينما كان الآخرون يركزون على الاحتكار، ركز كارنيجي على “تطوير الإنتاج”؛ حيث نقل تقنية “بسمر” لصناعة الصلب من إنجلترا إلى أمريكا، مما جعل الصلب أرخص وأقوى، وهو ما سمح ببناء ناطحات السحاب والجسور العملاقة التي نراها اليوم.
إمبراطورية الصلب والقرار التاريخي
أسس كارنيجي شركة “كارنيجي للصلب” التي سيطرت على السوق العالمي، وفي عام 1901 اتخذ القرار الذي صدم العالم:
-
بيع الشركة: باع إمبراطوريته للممول جيه بي مورغان مقابل 480 مليون دولار (ما يعادل 17.4 مليار دولار اليوم).
-
التفرغ للعمل الخيري: اعتزل العمل وبدأ في توزيع ثروته.
-
بناء المكتبات: موّل بناء 2509 مكتبة عامة حول العالم، إيماناً منه بأن المعرفة هي الوسيلة الوحيدة لتمكين الفقراء.
هل مات كارنيجي “مخزياً”؟
كان أندرو كارنيجي يردد دائماً: “من يموت غنياً يموت مخزياً” وبالنظر إلى واقعه عند الوفاة عام 1919، نجد أنه نجح في تنفيذ وعده؛ فقد أنفق معظم ثروته على الجامعات، المتاحف، ومؤسسات السلام الدولي.
نرى أن نهج كارنيجي هو الملهم الأساسي لمبادرات العصر الحديث مثل “تعهد العطاء” (The Giving Pledge) الذي يقوده بيل غيتس ووارن بافيت، سيبقى كارنيجي رمزاً للعصامية التي لا تنسى أصولها، وللثراء الذي يخدم الإنسانية قبل أن يخدم صاحبه.




