إعدام إمبراطور المكسيك بسبب مبدأ مونرو: كيف سقط ماكسيمليان الأول؟
أعدم الإمبراطور ماكسيمليان الأول، الذي نصبه الفرنسيون على عرش المكسيك، في 19 يونيو 1867 على يد الجمهوريين المكسيكيين بقيادة بينيتو خواريز، جاءت هذه النهاية المأساوية نتيجة لتمكن الولايات المتحدة، عقب انتهاء حربها الأهلية، من تفعيل “مبدأ مونرو” الذي يرفض أي تدخل أوروبي في الشؤون الأمريكية ومع سحب نابليون الثالث لقواته الفرنسية تحت الضغط الدبلوماسي والعسكري لواشنطن، انهار نظام الإمبراطور الغريب عن شعبه، ليواجه مصيره رمياً بالرصاص.
التدخل الأوروبي: استغلال جراح الحرب الأهلية الأمريكية
في عام 1861، كانت الولايات المتحدة غارقة في صراع داخلي دامي أودى بحياة 600 ألف شخص، مما شتت انتباهها عن حماية حدودها الجنوبية وفي تلك الأثناء، كانت المكسيك تعاني من اضطراب سياسي وأزمات مالية خانقة، خاصة بعد خسارتها لمساحات شاسعة في الحرب الأمريكية المكسيكية السابقة.
عندما قرر القائد الليبرالي المكسيكي بينيتو خواريز وقف سداد الديون الخارجية في عام 1861، وجدت القوى الأوروبية (فرنسا وبريطانيا وإسبانيا) الذريعة للتدخل العسكري وبينما انسحبت لندن ومدريد سريعاً، قرر نابليون الثالث مواجهة الواقع وحده، طامحاً في تأسيس نظام كاثوليكي مؤيد لفرنسا على مقربة من واشنطن، مستغلاً عجز الأمريكيين المؤقت عن تطبيق “مبدأ مونرو”.
محاور تأسيس الإمبراطورية المكسيكية الثانية:
-
اختيار الإمبراطور: وقع اختيار نابليون الثالث على ماكسيمليان هابسبورغ المولود في فيينا، ليتوج بلقب ماكسيمليان الأول في أبريل 1864.
-
الافتقار للقاعدة الشعبية: ارتبط حكم ماكسيمليان بالوجود العسكري الفرنسي، مما جعله مرفوضاً من غالبية المكسيكيين الذين اعتبروه أداة استعمارية.
-
دعم المحافظين: ساند الجناح المحافظ في المكسيك التدخل الفرنسي كرد فعل على إصلاحات خواريز التي حدت من صلاحيات الكنيسة والجيش.

إن قصة إعدام ماكسيمليان الأول لا تتعلق بمجرد حادثة تاريخية، بل هي درس في “جيوسياسية القوى العظمى”:
-
فخ “التبعية المطلقة”: أثبتت التجربة أن أي حاكم يستمد شرعيته من قوة خارجية (مثل الدعم الفرنسي لماكسيمليان) سينهار فور تغير المصالح الاستراتيجية لتلك القوة، نابليون الثالث ضحى بحليفه فور شعوره بتهديد البروسيين في أوروبا وضغط واشنطن في أمريكا.
-
مبدأ مونرو كـ خط أحمر: لم يكن المبدأ مجرد نص دبلوماسي، بل تحول إلى أداة ردع حقيقية، المتابع يرى أن الولايات المتحدة، حتى وهي في أضعف حالاتها (أثناء الحرب الأهلية)، لم تتخلَّ عن رؤيتها للهيمنة الإقليمية، وانتظرت اللحظة المناسبة لتوجيه الضربة القاضية للوجود الأوروبي.
-
انتصار الهوية الوطنية: إعدام الإمبراطور كان إعلاناً بنهاية عهد التدخلات الملكية الأوروبية في القارة الأمريكية، وتأكيداً على أن المقاومة المحلية (بقيادة خواريز) قادرة على الصمود إذا وجدت الدعم المادي واللوجستي الصحيح.
تعود جذور هذه المواجهة إلى عام 1823، عندما أعلن الرئيس الأمريكي جيمس مونرو مبدأه الشهير الذي يعتبر أي تدخل أوروبي في القارة الأمريكية عملاً عدائياً ضد الولايات المتحدة، هذه السياسة كانت حجر الزاوية في العلاقات الدولية بين القارتين وفي حالة المكسيك، نجد أن التنافس لم يكن فرنسياً-مكسيكياً فحسب، بل كان صراعاً مكتوماً بين الجمهورية الصاعدة في واشنطن والملكيات الآفلة في باريس وفيينا، إن دعم واشنطن لخواريز بالعتاد والمال وتمركز قواتها في تكساس عام 1866 كان التطبيق العملي الأول والأعنف لهذا المبدأ بعد سنوات من الانكفاء الداخلي بسبب العبودية والانفصال.
خروج الفرنسيين والنهاية الدموية
مع تزايد التهديدات البروسية في أوروبا وارتفاع تكلفة الحملة المكسيكية، بدأ نابليون الثالث سحب قواته تدريجياً في عام 1866 ومع فقدان الدعم العسكري الفرنسي، وجد ماكسيمليان نفسه وحيداً أمام زحف الجمهوريين المكسيكيين المدعومين بقدامى المحاربين الأمريكيين، في 19 يونيو 1867، أُسدل الستار على الإمبراطورية المكسيكية الثانية بإعدام الإمبراطور، لتعود المكسيك جمهورية تحت قيادة بينيتو خواريز.
دروس التاريخ لمستقبل الصراعات
تؤكد هذه الواقعة التاريخية أن صراع النفوذ في المناطق العازلة أو الحدودية غالباً ما يحسم لصالح القوى الإقليمية الأقرب جغرافياً والأكثر إصراراً، في المستقبل، قد نرى تكراراً لسيناريو “مبدأ مونرو” في مناطق نزاع حديثة، حيث تسعى القوى العالمية لفرض أنظمة موالية لها، لكن التاريخ يخبرنا عبر بوابة المكسيك أن الشرعية الداخلية والعمق الاستراتيجي الإقليمي هما الضمان الوحيد للبقاء.




