العرب والعالم

طهران تبلغ بغداد: استهداف القواعد الأمريكية… المنطقة على حافة التصعيد

أبلغت طهران العاصمة العراقية بغداد، اليوم السبت 28 فبراير 2026، بعزمها استهداف القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة، رداً على الهجمات التي طالت الأراضي الإيرانية مؤخراً، مؤكدة أن الرد سيقتصر على المواقع العسكرية الأمريكية دون استهداف الدول المضيفة، جاء ذلك خلال اتصال هاتفي بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، فيما حذرت بغداد من الانزلاق إلى حرب شاملة، وأدانت السعودية وقطر والكويت الهجمات التي طالت أراضي دول خليجية، مؤكدة حقها في الدفاع عن النفس وفق القانون الدولي.

اتصال بغداد طهران: رسالة عسكرية بغطاء دبلوماسي

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حمل الاتصال الهاتفي بين عباس عراقجي وفؤاد حسين دلالات تتجاوز طبيعته البروتوكولية، فالاتصال لم يكن مجرد تبادل لوجهات النظر، بل نقل رسالة مباشرة مفادها أن طهران تتجه نحو استهداف القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، باعتبار ذلك “حقاً مشروعاً في الدفاع عن النفس”.

الإبلاغ المسبق لبغداد يعكس إدراكاً إيرانياً لحساسية الساحة العراقية، حيث تنتشر قواعد أمريكية على أراضيه، وحيث يتقاطع النفوذان الأمريكي والإيراني في مشهد معقد سياسياً وأمنياً، العراق هنا ليس مجرد وسيط جغرافي، بل نقطة ارتكاز لأي تصعيد محتمل.

حدود الرد الإيراني: بين التطمين والتحذير

بحسب ما نُقل عن وزير الخارجية الإيراني، فإن الرد المرتقب “سيقتصر حصراً على القواعد العسكرية الأمريكية”، مع تأكيد واضح أن الدول التي تستضيف تلك القواعد لن تكون هدفاً مباشراً.

هذه الرسالة المزدوجة تحمل معنيين متوازيين:

  • طمأنة سياسية للدول الخليجية بأن سيادتها ليست في دائرة الاستهداف المباشر.
  • تحذير استراتيجي بأن الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة لم يعد بمنأى عن الضربات.

لكن في واقع العمليات العسكرية، يصعب الفصل التام بين “الموقع العسكري” و”الإقليم المضيف”، خاصة في ظل طبيعة الصواريخ والمسيرات التي قد تتسبب في أضرار جانبية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد.

بغداد: رفض الانزلاق إلى الحرب

الموقف العراقي جاء حازماً وواضحاً، أكد فؤاد حسين أن لغة الحرب لا يمكن أن تكون وسيلة ناجعة لحل الأزمات، مشدداً على ضرورة التهدئة والحوار.

هذا الموقف يعكس معادلة عراقية دقيقة:

  • العراق يستضيف قوات أمريكية ضمن اتفاقيات أمنية.
  • يرتبط بعلاقات استراتيجية وسياسية وثيقة مع إيران.
  • يخشى أن يتحول إلى ساحة مواجهة بالوكالة.

لذلك فإن بغداد تجد نفسها في موقع الوسيط القلق، الذي يسعى إلى منع تحوّل أراضيه إلى مسرح صراع مباشر بين قوتين متنازعتين.

الرياض: إدانة شديدة اللهجة وتضامن مفتوح

في بيان رسمي، أدانت المملكة العربية السعودية ما وصفته بالاعتداء الإيراني “الغاشم”، معتبرة أنه انتهاك سافر لسيادة خمس دول عربية: الإمارات، البحرين، قطر، الكويت، والأردن.

البيان السعودي لم يكتفِ بالإدانة، بل أعلن تضامناً مطلقاً مع هذه الدول، واضعاً كافة الإمكانات والقدرات السعودية تحت تصرفها، هذا الموقف يحمل أبعاداً استراتيجية، إذ يشير إلى استعداد الرياض للعب دور داعم – وربما قيادي – في أي ترتيبات دفاعية جماعية.

كما حذرت السعودية من أن استمرار هذه الممارسات سيجر المنطقة إلى عواقب وخيمة، في إشارة واضحة إلى أن التصعيد قد يتجاوز حدود الضربات المحدودة.

قطر: إدانة واحتفاظ بحق الرد

أعربت قطر عن إدانتها لاستهداف أراضيها، مؤكدة احتفاظها بحق الرد بما يتوافق مع القانون الدولي، هذا الموقف يعكس تمسك الدوحة بمبدأ السيادة، وفي الوقت ذاته حرصها على إبقاء الرد ضمن إطار قانوني منضبط.

في السياق الخليجي، يمثل التأكيد على “حق الرد” رسالة ردع سياسية، حتى وإن لم يُترجم فوراً إلى عمل عسكري.

الكويت: الدفاع وفق المادة 51

بدورها، أدانت الكويت الهجوم الذي استهدف أراضيها، معتبرة أنه انتهاك صارخ لسيادتها ومجالها الجوي وأكدت وزارة الخارجية الكويتية حق الدولة الكامل في الدفاع عن النفس استناداً إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

الإشارة الصريحة إلى المادة 51 ليست تفصيلاً قانونياً عابراً، بل تأطير دبلوماسي لأي تحرك دفاعي محتمل ضمن شرعية دولية معترف بها.

كما أوضحت الكويت أن دفاعاتها الجوية تصدت للصواريخ بنجاح وفق قواعد الاشتباك المعتمدة، ما يعكس جاهزية عسكرية واستجابة سريعة.

هل نحن أمام إعادة رسم لقواعد الاشتباك؟

التطور الحالي لا يمكن فصله عن سياق أوسع من التوتر المتراكم في المنطقة، الجديد هذه المرة هو العلنية في الإعلان عن نية استهداف القواعد الأمريكية، والإخطار المسبق لدولة إقليمية رئيسية مثل العراق.

1. من الردع الصامت إلى الردع المعلن

طوال سنوات، اتسمت المواجهات غير المباشرة بقدر من الغموض اليوم، تتحول الرسائل إلى تصريحات رسمية، ما يعني أن معادلة الردع دخلت مرحلة أكثر وضوحاً وأعلى مخاطرة.

2. اختبار التحالفات

ردود الفعل الخليجية، خاصة من السعودية، تشير إلى أن أي استهداف قد يُنظر إليه كتهديد جماعي، لا كحادث منفصل، هذا يعزز فكرة الأمن الإقليمي المشترك، ويضع واشنطن أمام اختبار التزاماتها الدفاعية.

3. العراق بين المطرقة والسندان

العراق هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، أي ضربة داخل أراضيه قد تضعه أمام ضغوط داخلية وخارجية، وتعيد إشعال جدل الوجود العسكري الأجنبي.

 تاريخ من الضربات المتبادلة

المنطقة شهدت خلال العقدين الماضيين نماذج متعددة من الضربات المحدودة التي تستهدف قواعد أو منشآت عسكرية دون الانزلاق إلى حرب شاملة. لكن في كل مرة، كان هناك خطر حقيقي من سوء التقدير.

في أزمات سابقة، أدت ضربة واحدة إلى موجة ردود فعل متسلسلة كادت أن تتوسع، ما يحكم المشهد دائماً هو حسابات الكلفة والمكسب، ومدى استعداد الأطراف لتحمل تبعات المواجهة المفتوحة.

اليوم، مع تعدد الدول المعنية، تبدو شبكة المخاطر أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.

التأثيرات المحتملة على أمن الخليج

استهداف القواعد الأمريكية لا يعني فقط ضرب منشآت عسكرية، بل يحمل تداعيات أوسع:

  • رفع مستوى التأهب العسكري في الخليج.
  • زيادة كلفة التأمين البحري والجوي.
  • توتر في أسواق الطاقة.
  • ضغوط دبلوماسية دولية لاحتواء الأزمة.

أي تصعيد في محيط الخليج قد ينعكس فوراً على حركة الملاحة في الممرات الحيوية، ما يجعل المسألة تتجاوز حدود الإقليم.

القانون الدولي في قلب المعادلة

اللافت في البيانات الخليجية هو التركيز على مفاهيم السيادة وميثاق الأمم المتحدة وحق الدفاع عن النفس، هذا الخطاب القانوني يعكس إدراكاً بأن المعركة ليست عسكرية فقط، بل أيضاً دبلوماسية وإعلامية.

الاحتكام إلى المادة 51 يمنح أي تحرك دفاعي غطاءً شرعياً، لكنه في الوقت ذاته يضع سقفاً قانونياً يمنع الانزلاق إلى ردود غير منضبطة.

المشهد الإقليمي يقف عند نقطة توازن دقيقة، هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة:

  • ضربات محدودة ومضبوطة تستهدف مواقع عسكرية دون توسع.
  • تصعيد متدرج يشمل ردوداً مقابلة وارتفاعاً في حدة الخطاب.
  • احتواء دبلوماسي سريع عبر وساطات إقليمية ودولية.

المؤشرات الحالية توحي بأن جميع الأطراف تدرك كلفة الحرب الشاملة، لكن كثافة الرسائل العسكرية قد تجعل هامش الخطأ ضيقاً للغاية.

يبقى السؤال المفتوح: هل تستطيع المنطقة احتواء هذه الموجة من التصعيد ضمن حدود “الردع المتبادل”، أم أن سلسلة الضربات ستقود إلى مرحلة جديدة تعيد رسم خريطة التوازنات في الشرق الأوسط؟

الإجابة ستتضح في الأيام القليلة المقبلة، حيث تختبر العواصم المعنية قدرتها على الجمع بين الردع والتهدئة، في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ المنطقة الحديث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى