التاريخ والحضارة

من هو جمال باشا؟ أسرار “السفاح” في التاريخ السوري ومذكرات الأتراك

أحمد جمال باشا، حاكم بلاد الشام خلال الحرب العالمية الأولى، لم يكن مجرد ضابط عسكري، بل كان “الحاكم المطلق” الذي رسم بقراراته القاسية ملامح القطيعة التاريخية بين العرب والأتراك، بينما ترسخ في الذاكرة العربية بلقب “السفاح” عقب إعدامه للنخب الوطنية في دمشق وبيروت عامي 1915 و1916، تظهر الرواية التركية انقساماً حاداً؛ فمنهم من يراه رجل دولة “مظلوماً” واجه مؤامرات كبرى، ومنهم من يراه عسكرياً حاد المزاج تسبب في خسارة الولايات العربية، في عام 2025، عاد هذا الجدل ليتصدر الواجهة من جديد بعد تعديلات في المنهاج الدراسي السوري وصفت ضحاياه بأنهم “عملاء”، ما اعتُبر تبرئة ضمنية لجمال باشا من وصمته التاريخية.

إعادة فتح ملف جمال باشا وتغيير وصف ضحاياه من “شهداء” إلى “عملاء” في المناهج السورية لعام 2025 لا يعد مجرد تعديل أكاديمي، بل هو تحول جيوسياسي عميق بالنسبة للمتابع، هذا يعني:

  • إعادة صياغة الهوية: التخلي عن رمزية “عيد الشهداء” التي استمرت لقرن من الزمان يفكك ركيزة أساسية من ركائز القومية العربية.

  • توظيف التاريخ سياسياً: يعكس هذا التحول رغبة في التقارب مع تركيا الحديثة عبر “تبييض” صفحة الماضي العثماني المشترك، وتحميل المسؤولية لـ”التدخل الأجنبي” بدلاً من السلطة المركزية.

  • خطر التزييف: بالنسبة للمواطن، فإن “الحقائق التاريخية” أصبحت رهينة التوازنات السياسية اللحظية، مما قد يؤدي إلى ضياع الذاكرة الجمعية.

الدروس المستفادة من “أرجوحة” الروايات

ليست هذه المرة الأولى التي يعاد فيها رسم صورة جمال باشا لخدمة أهداف سياسية فمنذ سقوط الدولة العثمانية عام 1918، تبنت الحكومة العربية بزعامة الشريف فيصل رواية “السفاح” لتبرير الثورة العربية الكبرى وفي المقابل، شهدت تركيا الجمهورية في عهد أتاتورك نظرة ترى في العرب “غرباء” وتعزو فشل جمال باشا إلى خيانات محلية، وهو ما عُرف تاريخياً بأسطورة “الطعنة في الظهر”، هذا التناقض يثبت أن الشخصيات الجدلية مثل جمال باشا تظل “مرآة” تعكس شكل العلاقة بين أنقرة والعواصم العربية في كل عصر.

صورة ملونة حديثاً تظهر جمال باشا اعتمادا على التقنيات الحديثة.

من هو جمال باشا الحقيقي؟

تتعدد الوجوه التي ترسم لجمال باشا في الكتب والمذكرات التركية، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:

أولاً: رواية المرافقين العسكريين (أتاي وإردن)

  • فالح رفقي أتاي (مرافق جمال): رسم صورة مركبة لقائد “حاد المزاج” يفتقر للمرونة السياسية وأكد أن جمال باشا أصر على الإعدامات خشية نقض القرار في إسطنبول، واصفاً إياها بأنها تمت لـ”أسباب سبقت الحرب”.

  • علي فؤاد إردن (رئيس أركانه): صوره كقائد ذكي ومنظم، لكنه اعترف بأنه تجاوز حدود القانون بإصراره على الإعدامات رغم توصيات المحكمة العسكرية بالاكتفاء بالسجن لبعض المتهمين.

ثانياً: رؤية المؤرخين المعاصرين (كيالي وجيجك وديرينغل)

  • حسن كيالي: يرى أن صراع جمال مع العرب لم يكن أمنياً فقط، بل كان “مشروعاً أيديولوجياً” لكسر نفوذ الأعيان العرب وبناء دولة مركزية.

  • طلحة جيجك: يصفه بـ”رجل الدولة القمعي”، حيث حاول تحديث سوريا عبر مشاريع البنية التحتية بالتوازي مع استخدام “العنف السياسي” لضمان الولاء.

  • سليم ديرينغل: يتبنى نبرة نقدية حادة، معتبراً جمال باشا تجسيداً لـ”العقل البيروقراطي السلطوي” الذي عجز عن فهم بنية المجتمع العربي، مما عجل بسقوط الدولة.

ثالثاً: تهمة الخيانة والمؤامرة (أوزال وجالك)

  • تورغوت أوزال: اتهم جمال باشا صراحة بالعمالة لبريطانيا، زاعماً أنه تقاضى راتباً منها لإثارة الفتنة بين العرب والعثمانيين عبر سلوكيات مسيئة للدين.

  • رمضان جالك: ناقش وثائق ألمانية وروسية حول احتمالية انشقاق جمال باشا لتأسيس كيان مستقل، لكنه خلص إلى أنه لم يمتلك القاعدة الشعبية لتحقيق ذلك بسبب قسوته.

إن الجدل حول جمال باشا في عام 2025 يتجاوز مجرد البحث في مذكرات “زيتين داغي” أو وثائق القنصلية الفرنسية؛ إنه صراع على “هوية المنطقة”، الرواية التركية التي بقيت طويلاً بعيدة عن متناول المثقف العربي بدأت تتسرب لتعيد تشكيل وعيه بالماضي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى