الإيجار القديم بين الإخلاء التدريجي وإلغاء المدد
عاد ملف الإيجار القديم إلى واجهة المشهد البرلماني في مصر مع احتدام النقاش بين مسارين تشريعيين متباينين، الأول تم تثبيته بالقانون رقم 164 لسنة 2025 الذي صدق عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي واضعاً جدولاً زمنياً لإنهاء العلاقة الإيجارية تدريجياً خلال مدد انتقالية محددة، والثاني مشروع قانون جديد كشف عن ملامحه النائب عاطف المغاوري داخل مجلس النواب، يسعى إلى إلغاء مدد الإخلاء والتصنيف الجغرافي وإعادة صياغة فلسفة الإصلاح من الأساس، في لحظة سياسية واقتصادية حساسة تعكس محاولة إعادة ضبط واحدة من أعقد العلاقات القانونية والاجتماعية في المجتمع المصري.
فلسفة التشريع بين التنظيم وإعادة البناء
جاء القانون رقم 164 لسنة 2025 باعتباره مقاربة رسمية لمعالجة اختلال تاريخي ممتد لعقود، حيث حاول تحقيق توازن دقيق بين حماية حق الملكية وضمان الاستقرار السكني، عبر مزيج من التدرج الزمني وزيادات نسبية في القيمة الإيجارية، دون أن ينحاز بصورة حادة لأي من طرفي العلاقة، واضعاً في الاعتبار البعد الاجتماعي وتأثير أي تحرك مفاجئ على ملايين الأسر.
في المقابل، ينطلق مشروع النائب عاطف المغاوري من تصور مختلف يقوم على تقليص تدخل الدولة في إدارة العلاقة الإيجارية، سواء عبر فرض مدد للإخلاء أو عبر إلزامها بتوفير بدائل سكنية، مع العودة إلى الإطار الذي رسمته المحكمة الدستورية العليا بشأن الامتداد القانوني لمرة واحدة لجيل واحد، وهو ما يعني إعادة تعريف دور الدولة من منظم مباشر إلى ضامن دستوري للحد الأدنى من التوازن.
مدد الإخلاء بين الجدول الزمني والإلغاء الكامل
حدد القانون القائم مدد انتقالية واضحة، خمس سنوات للوحدات غير السكنية الخاصة بالأشخاص الاعتبارية، وسبع سنوات للوحدات السكنية، في محاولة لمنح المستأجرين فرصة زمنية كافية لتوفيق أوضاعهم، ومنع حدوث صدمة اجتماعية واسعة قد تترتب على إنهاء العلاقة بشكل فوري.
بينما يتجه مشروع المغاوري إلى إلغاء المادة الثانية المنظمة لمدد الإخلاء، معتبراً أن فرض توقيتات زمنية عامة لا يراعي الفروق الفردية بين الحالات، كما أنه يرتب التزامات غير واقعية في ظل محدودية البدائل السكنية، ويقترح الاكتفاء بضوابط الامتداد الدستوري دون تدخل تشريعي بفرض آجال ملزمة.
تصنيف المناطق بين العدالة المكانية وشبهة التمييز
اعتمد القانون 164 لسنة 2025 على تقسيم المناطق إلى متميزة ومتوسطة واقتصادية عبر لجان محلية في المحافظات، لضبط الزيادات في القيمة الإيجارية وفق معايير جغرافية، في محاولة لتحقيق قدر من العدالة النسبية وربط القيمة بالموقع.
غير أن مشروع المغاوري يرفض هذا التصنيف جذرياً، معتبراً أنه يخلق تمييزاً بين المواطنين على أساس محل السكن، وقد يؤدي إلى مفارقات عملية داخل العقار الواحد أو الشارع نفسه، حيث تختلف القيمة القانونية باختلاف التوصيف الإداري للمنطقة لا باختلاف خصائص الوحدة ذاتها، وهو ما يراه مساساً بمبدأ المساواة أمام القانون.
القيمة الإيجارية بين النسبة الموحدة والشرائح التاريخية
نص القانون الحالي على زيادة سنوية بنسبة 15 في المئة خلال الفترة الانتقالية، مع حد أدنى 250 جنيهاً للوحدة السكنية، كآلية تدريجية لتحسين دخل المالك دون تحميل المستأجر قفزة مفاجئة في الالتزامات المالية، وهو خيار يستند إلى فلسفة التدرج المحسوب.
أما مشروع المغاوري فيقترح ربط الزيادة بتاريخ إنشاء المبنى وتاريخ تحرير عقد الإيجار، مع تقسيم القيم الإيجارية إلى شرائح تاريخية، بما يسمح بمضاعفات أكبر للعقود الأقدم والأقل أجراً، وهو طرح يستند إلى فكرة العدالة الزمنية التي تأخذ في الاعتبار الفارق بين عقود مضى عليها نصف قرن وأخرى أبرمت في ظروف اقتصادية أقرب إلى الواقع الحالي.
حماية الفئات الأولى بالرعاية بين الضمان الاجتماعي وتخفيف العبء
ألزم القانون القائم الدولة، بموجب المادة الثامنة، بتوفير وحدات بديلة بالإيجار أو التمليك للفئات غير القادرة من المستأجرين الأصليين، باعتباره صمام أمان اجتماعي يخفف من آثار التحول التشريعي.
في المقابل، يرى مشروع المغاوري أن تحميل الدولة هذا الالتزام يضيف عبئاً مالياً ضخماً دون ضمان قدرة حقيقية على التنفيذ، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، ويطرح بديلاً يقوم على تقليص دور الدولة في التدخل المباشر، وترك العلاقة التعاقدية تُعاد صياغتها ضمن الإطار الدستوري والقضائي.
النزاعات القضائية وتوحيد جهة الاختصاص
يتضمن مشروع المغاوري مقترحاً بتوحيد الجهة القضائية المختصة بنظر نزاعات الإيجار القديم، سواء ما يتعلق بقاضي الأمور الوقتية أو الموضوعية، بهدف تسريع الفصل في القضايا وتقليل تداخل الاختصاصات الذي قد يؤدي إلى تضارب أو بطء في الإجراءات، مقارنة بالنظام القائم الذي يسمح بتعدد المسارات القضائية.
هذا البعد الإجرائي لا يقل أهمية عن الجوانب الموضوعية، إذ إن سرعة الفصل وضمانات التقاضي العادل تشكلان عاملاً حاسماً في تقليل الاحتقان بين الملاك والمستأجرين.
معادلة الاستقرار الاجتماعي في مواجهة تحرير السوق
الجدل الدائر اليوم لا يقتصر على نصوص قانونية، بل يعكس صراعاً بين نموذجين لإدارة التحول، أحدهما يفضل التدرج المنظم الذي تقوده الدولة بخطوات محسوبة زمنياً، والآخر يميل إلى تقليص القيود الزمنية وإعادة الاعتبار للمبادئ الدستورية العامة دون تفاصيل تنظيمية دقيقة، وبين النموذجين تقف ملايين الأسر التي بنت استقرارها المالي والاجتماعي على قواعد استمرت لعقود.
الواقع أن أي تعديل في ملف الإيجار القديم لا يختبر فقط نصوصاً جامدة، بل يختبر قدرة التشريع على إدارة ذاكرة اجتماعية طويلة، تتشابك فيها اعتبارات العدالة التاريخية مع ضرورات الاقتصاد الحديث.
المشهد المقبل تحت قبة البرلمان
استناداً إلى المعطيات الحالية، من المرجح أن يشهد مجلس النواب نقاشاً واسعاً وربما تعديلات متبادلة بين أنصار الإخلاء التدريجي وأنصار إلغاء المدد، وقد تنتهي المداولات إلى صيغة وسط تدمج بين التدرج الزمني وبعض معايير العدالة التاريخية التي يطرحها مشروع المغاوري، وفي جميع الأحوال فإن ملف الإيجار القديم دخل مرحلة اختبار برلماني حقيقي ستحدد نتائجه شكل العلاقة الإيجارية في مصر لعقود مقبلة.





