دخل ملف طعون الإيجار القديم مرحلة قانونية أكثر حساسية، بعدما قررت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة تأجيل نظر نحو 1700 طعن قضائي يطالب أصحابها بإلغاء تعديلات قانون الإيجار القديم ووقف تنفيذ القانون رقم 164 لسنة 2025 إلى جلسة 17 أكتوبر المقبل، لكن الأهم من التأجيل ذاته أن المحكمة صرحت للمستأجرين، عبر وكيلهم المحامي أيمن عصام، باتخاذ إجراءات اللجوء إلى المحكمة الدستورية العليا للطعن على دستورية بعض نصوص القانون.
هذا التطور لا يعني وقف القانون تلقائياً، ولا يحسم النزاع لصالح أي طرف في الوقت الراهن، لكنه ينقل جزءاً رئيسياً من المعركة من ساحة المشروعية الإدارية إلى ساحة الرقابة الدستورية وهنا تكمن أهمية القرار؛ فالسؤال لم يعد فقط: هل صدر القانون وإجراءاته بشكل صحيح؟ بل أصبح: هل تمس بعض مواده مراكز قانونية استقرت لعقود بما يخالف الضمانات الدستورية؟
قانون أنهى منطقة رمادية قديمة وفتح أخرى جديدة
القانون رقم 164 لسنة 2025 جاء في الأصل لإعادة تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر في ملف ظل لعقود واحداً من أكثر الملفات الاجتماعية والقانونية تعقيداً في مصر وبحسب نصوص منشورة للقانون، فإن عقود الأماكن السكنية الخاضعة لأحكامه تنتهي بانقضاء سبع سنوات من تاريخ العمل به، بينما تنتهي عقود الأماكن المؤجرة للأشخاص الطبيعية لغير غرض السكنى بعد خمس سنوات، ما لم يتفق الطرفان على الإنهاء قبل ذلك.
هذه المدد الانتقالية كانت محاولة تشريعية للخروج من امتداد عقود الإيجار القديم إلى ما لا نهاية، وهي نقطة طالما اعتبرها ملاك العقارات إخلالاً بتوازن العلاقة التعاقدية في المقابل، ينظر كثير من المستأجرين إلى هذه العقود باعتبارها أوضاعاً قانونية واجتماعية مستقرة، لا مجرد عقود قابلة لإعادة الضبط المفاجئ وفق أسعار السوق.
لذلك فإن الأزمة الحقيقية لا تقف عند زيادة قيمة الإيجار أو تحديد مدة للإخلاء فقط، بل تمتد إلى سؤال أعمق: كيف يمكن للدولة أن تعيد التوازن إلى سوق عقاري مختل تاريخياً دون أن تُحدث صدمة اجتماعية لفئات بنت حياتها على مراكز قانونية ممتدة منذ عقود؟
تفاصيل التطور الجديد أمام القضاء الإداري
وفقاً للمعطيات المتاحة عن الجلسة، قررت محكمة القضاء الإداري تأجيل نظر 1700 طعن قضائي إلى جلسة 17 أكتوبر المقبل، وهي طعون تطالب بإلغاء تعديلات قانون الإيجار القديم ووقف تنفيذ القانون رقم 164 لسنة 2025. كما استجابت المحكمة لطلب دفاع المستأجرين بالتصريح باتخاذ إجراءات إقامة دعاوى أمام المحكمة الدستورية العليا.
هذا التصريح تحديداً يمثل نقطة تحول إجرائية مهمة، فمحكمة القضاء الإداري لا تفصل بذاتها في دستورية النصوص التشريعية، لكنها تستطيع، متى وجدت جدية في الدفع بعدم الدستورية، أن تفتح الطريق أمام الخصوم للجوء إلى المحكمة الدستورية العليا، صاحبة الاختصاص في الفصل في دستورية القوانين، وبحسب تقارير صحفية سابقة، كانت المحكمة الدستورية العليا قد قيدت طعناً ضد القانون رقم 164 لسنة 2025 يطالب بعدم دستوريته ووقفه.
دفاع المستأجرين، وفقاً للمعلومات المطروحة، يركز على بنود محددة داخل القانون، من بينها القواعد المنظمة لعمل لجان الحصر والتقييم، وكذلك النص المتعلق بإنهاء عقود الإيجار السكنية الممتدة بقوة القانون بعد مرور سبع سنوات. وهذه النقاط ليست تفصيلية كما قد تبدو؛ لأنها تمس آلية تقدير القيمة الإيجارية من ناحية، ومصير السكن ذاته من ناحية أخرى.
لماذا لا يتعلق النزاع بالمستأجر وحده؟
الزاوية الأهم في هذا الملف أن القضية لا تخص المستأجرين وحدهم ولا الملاك وحدهم، بل تختبر قدرة التشريع على إدارة الانتقال من نظام استثنائي قديم إلى نظام أقرب لقواعد السوق، فالملاك يطالبون منذ سنوات بإنهاء امتداد العقود القديمة أو تعديلها بما يعكس القيمة الاقتصادية الحالية للعقار، بينما يخشى المستأجرون من أن يؤدي تطبيق القانون إلى إزاحة اجتماعية واسعة، خاصة في المدن القديمة والمناطق التي شهدت استقراراً عائلياً طويلاً.
المحكمة هنا لا تناقش فقط نصوصاً جامدة، بل تنظر في أثر اجتماعي واقتصادي مركب، فإذا كان القانون يهدف إلى تصحيح اختلال تاريخي، فإن طريقة التصحيح نفسها قد تكون محل فحص، هل المدة الانتقالية كافية؟ هل لجان الحصر والتقييم تملك معايير منضبطة وشفافة؟ هل توجد ضمانات كافية للفئات غير القادرة؟ هذه الأسئلة هي التي تمنح الطعون بعدها الدستوري والاجتماعي.
وتكتسب مسألة لجان الحصر والتقييم أهمية خاصة، لأنها ستكون على الأرجح إحدى الأدوات العملية التي تنقل القانون من الورق إلى حياة الناس اليومية، أي خلل في معايير التصنيف أو التقدير قد يفتح الباب لنزاعات واسعة، ليس فقط أمام القضاء، بل داخل السوق العقاري نفسه، حيث تتقاطع توقعات الملاك مع قدرة المستأجرين على السداد.
موقف هيئة مفوضي الدولة ودلالته القانونية
تشير المعلومات المتاحة إلى أن الطعون الحالية ما زالت تخضع للفحص وإعداد التقارير القانونية من قبل هيئة مفوضي الدولة، ورغم أن تقارير الهيئة استشارية وغير ملزمة للمحكمة، فإنها تظل مؤثرة في قراءة النزاع، خصوصاً عندما تتعلق المسألة بدفوع دستورية أو آثار اجتماعية واسعة.
وتزداد أهمية هذه المرحلة لأن تقارير مفوضي الدولة في قضايا مشابهة سابقة، وفقاً لما طرحه دفاع المستأجرين، انتهت إلى وجود شبهات دستورية في بعض النصوص وحتى مع عدم اعتبار ذلك حكماً مسبقاً، فإنه يمنح الطعون وزناً إضافياً ويفسر لماذا لم تتعامل المحكمة مع الدفع الدستوري باعتباره دفعاً عابراً أو شكلياً.
هنا تظهر نقطة دقيقة: مجرد التصريح باللجوء إلى المحكمة الدستورية لا يعني أن القانون غير دستوري، لكنه يعني أن هناك سؤالاً دستورياً جدياً يستحق أن يُعرض على الجهة المختصة وبين الجدية والحكم النهائي مساحة قانونية قد تستغرق وقتاً، وستكون لها انعكاسات مباشرة على آلاف القضايا والمراكز القانونية.
التأثير المتوقع على المستأجرين والملاك والسوق
حتى جلسة 17 أكتوبر، سيبقى المشهد مفتوحاً على أكثر من احتمال، قانونياً، لا يترتب على التأجيل وحده وقف شامل لتطبيق القانون، ما لم يصدر حكم أو قرار قضائي محدد بذلك لكن عملياً، قد يؤدي استمرار الطعون وتصعيد المسار الدستوري إلى حالة ترقب لدى المستأجرين والملاك، خصوصاً في الملفات المرتبطة بتقدير القيمة الإيجارية أو ترتيب أوضاع السكن خلال المدة الانتقالية.
بالنسبة للمستأجرين، يمنح التصريح بالطعن الدستوري أملاً في مراجعة بعض النصوص الأكثر حساسية، لكنه لا يقدم ضمانة فورية ببقاء الوضع كما هو أما الملاك، فقد يرون في استمرار التقاضي إطالة جديدة لملف انتظروا حسمه طويلاً. ومن هنا قد يتحول الحل العملي، في بعض الحالات، إلى تفاوض مباشر بين الطرفين بدلاً من انتظار مسار قضائي قد يطول.
أما السوق العقاري، فقد يتأثر على مستويين، المستوى الأول نفسي، حيث تؤدي حالة عدم اليقين إلى تريث في قرارات البيع أو التأجير أو الإخلاء والمستوى الثاني قانوني، إذ إن أي حكم دستوري لاحق قد يعيد تشكيل قواعد التعامل مع عقود الإيجار القديمة، سواء بتثبيت النصوص المطعون عليها أو بإسقاط بعضها أو إلزام المشرع بإعادة ضبطها.
ما الذي قد يحدث لاحقاً؟
السيناريو الأقرب الآن هو انتظار ما ستنتهي إليه إجراءات الطعن أمام المحكمة الدستورية العليا، بالتوازي مع استكمال هيئة مفوضي الدولة تقاريرها أمام القضاء الإداري وإذا قبلت المحكمة الدستورية نظر الطعون ووجدت شبهة جدية في بعض النصوص، فقد يصبح مصير مواد محورية من القانون معلقاً على حكمها النهائي.
لكن الاحتمال الآخر أن تستمر المحاكم في الفصل في المنازعات الإدارية دون أن يؤدي المسار الدستوري إلى تعطيل كامل للقانون وفي هذه الحالة، ستكون التفاصيل التنفيذية هي ساحة النزاع المقبلة: قرارات اللجان، معايير التقييم، الإخطارات، مدد الإخلاء، ومدى توافر بدائل أو حماية للفئات الأكثر تضرراً.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس من سينتصر قانونياً فقط، بل كيف يمكن الوصول إلى معادلة لا تظلم المالك باسم الاستقرار، ولا تدفع المستأجر إلى المجهول باسم التصحيح الاقتصادي، هذه هي الزاوية التي تجعل القضية أكبر من نزاع عقاري، وأقرب إلى اختبار اجتماعي لطريقة صناعة التشريع وتنفيذه.
قرار القضاء الإداري بتأجيل طعون الإيجار القديم إلى 17 أكتوبر، مع التصريح للمستأجرين باللجوء إلى المحكمة الدستورية العليا، لا يغلق الملف بل ينقله إلى مرحلة أكثر عمقاً، فالخصومة لم تعد محصورة في طلب وقف التنفيذ، بل أصبحت مواجهة حول مدى توافق بعض نصوص القانون رقم 164 لسنة 2025 مع الضمانات الدستورية واستقرار المراكز القانونية.
وبين انتظار تقرير مفوضي الدولة، وتحرك الدعاوى الدستورية، وترقب ملايين المتأثرين بشكل مباشر أو غير مباشر، يبدو أن ملف الإيجار القديم سيبقى أحد أبرز اختبارات التوازن بين العدالة الاجتماعية وحقوق الملكية خلال الفترة المقبلة وحتى صدور كلمة حاسمة من القضاء، سيظل السؤال المطروح: هل ينجح القانون في إنهاء أزمة قديمة دون أن يصنع أزمة اجتماعية جديدة؟