أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تبني معادلة عسكرية مباشرة للرد على الهجمات الإيرانية ضد السفن في مضيق هرمز، تقوم على استهداف منشأة حيوية داخل إيران مقابل كل اعتداء بحري. وقال ترامب إن الولايات المتحدة ستدمر «جسراً واحداً أو محطة كهرباء واحدة» كلما استهدفت طهران سفينة بصاروخ أو طائرة مسيرة أو أي سلاح آخر.
ولا تكمن أهمية التصريح في حدة لغته فقط، بل في تحويل الرد الأميركي من عمليات عسكرية تُحدَّد أهدافها وفق ظروف كل حادثة إلى سياسة عقابية معلنة مسبقاً. وقد يجعل ذلك أي هجوم جديد على الملاحة نقطة انطلاق تلقائية لجولة تصعيد تشمل منشآت قريبة من طهران أو داخل العاصمة نفسها.
ما الذي تغير في قواعد الاشتباك؟
تعتمد سياسة الردع عادة على ترك حجم الرد وتوقيته ونوع الهدف غامضاً، حتى لا يستطيع الطرف المقابل حساب التكلفة بدقة. أما إعلان ترامب فيقدم معادلة شبه ثابتة: هجوم بحري يقابله تدمير منشأة إيرانية، وهو ما يمنح طهران تصوراً واضحاً عن الثمن، لكنه يضع الإدارة الأميركية أيضاً تحت ضغط تنفيذ تهديدها عند وقوع أي اعتداء.
هذه المعادلة تثير إشكالية تتجاوز القوة العسكرية إلى مسألة تحديد المسؤولية. فالهجمات البحرية قد تُنفذ بطائرات مسيرة أو ألغام أو عبر جماعات مرتبطة بإيران، وقد لا تتوافر أدلة حاسمة خلال الساعات الأولى. وفي هذه الحالة يصبح السؤال الأهم: هل ستنتظر واشنطن تحقيقاً يثبت الجهة المنفذة، أم ستتعامل مع أي حادث في المضيق باعتباره هجوماً إيرانياً يستوجب الرد؟
كما أن اختيار الجسور ومحطات الكهرباء يختلف عن قصف منصات الصواريخ أو مواقع إطلاق الطائرات المسيرة، لأن هذه المنشآت تقدم خدمات مدنية واسعة حتى عندما تكون لها أهمية لوجستية أو عسكرية. وبحسب رويترز، أثارت التهديدات الأميركية السابقة باستهداف هذه المنشآت انتقادات من خبراء في القانون الدولي بسبب القيود المفروضة على مهاجمة الأهداف المدنية.
من تفاهم مؤقت إلى مواجهة مفتوحة
جاء التصعيد بعد تعثر مذكرة التفاهم المؤقتة التي وقعتها الولايات المتحدة وإيران في يونيو لإنهاء العمليات العسكرية وإعادة فتح مضيق هرمز. ونصت الوثيقة، وفق نسخة اطلعت عليها رويترز، على توفير مرور آمن للسفن التجارية دون رسوم لمدة 60 يوماً، مقابل بدء واشنطن إزالة حصارها البحري والامتناع عن فرض عقوبات جديدة خلال المفاوضات.
إلا أن الاتفاق ترك القضايا الأكثر تعقيداً للمفاوضات النهائية، ومن بينها البرنامج النووي الإيراني وإدارة الملاحة في المضيق والعقوبات والأصول المجمدة. لذلك لم يكن التفاهم تسوية نهائية بقدر ما كان فترة اختبار لمدى قدرة الطرفين على الانتقال من الحرب إلى التفاوض.
ومع عودة استهداف السفن والغارات الأميركية، انهارت الثقة التي كان يفترض أن تحمي الاتفاق. وشدد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على أن طهران لا تتعامل بجدية مع المفاوضات، مؤكداً أن واشنطن ستتخذ ما تراه ضرورياً لحماية مصالحها وحلفائها إذا لم يتغير الموقف الإيراني.
لماذا أصبح المضيق جزءاً من المواجهة العالمية؟
لا يمثل مضيق هرمز ممراً إقليمياً فحسب، بل نقطة اتصال بين أمن الخليج وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد في آسيا وأوروبا. ووفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، مر عبره نحو 20.4 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات البترولية خلال الربع الأول من 2025، قبل أن تنخفض التدفقات إلى نحو 14.6 مليون برميل يومياً في الربع الأول من 2026.
وتشير بيانات شركة «كبلر»، التي نقلتها رويترز، إلى عبور ثلاث سفن سلعية فقط يوم الثلاثاء، مقابل أربع سفن في اليوم السابق، مع عدم رصد ناقلات نفط عملاقة أو ناقلات غاز طبيعي مسال. وتكشف هذه الأرقام أن الضرر الاقتصادي لا ينتظر إغلاق المضيق رسمياً؛ إذ يكفي ارتفاع المخاطر حتى تتراجع حركة السفن وترتفع تكاليف التأمين وتتأخر الشحنات.
ومن هنا، فإن تهديد ترامب لا يستهدف حماية سفينة بعينها، بل محاولة خفض ما يمكن تسميته «علاوة الخوف» التي تضيفها الأسواق وشركات الشحن إلى كل رحلة تمر عبر المنطقة. غير أن ضرب محطات الطاقة قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة إذا دفع إيران أو حلفاءها إلى توسيع الاستهداف نحو ممرات بديلة مثل باب المندب والبحر الأحمر.
الرسالة الأميركية تتجاوز إيران
جاءت تصريحات روبيو بشأن هرمز خلال اجتماعات إقليمية في مانيلا، حيث ربط بين سيطرة إيران على المضيق وخطر استخدام الممرات التجارية كسلاح جيوسياسي. ويعكس هذا الطرح محاولة أميركية لتقديم المواجهة باعتبارها دفاعاً عن مبدأ حرية الملاحة، وليس مجرد صراع ثنائي بين واشنطن وطهران.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية إضافية في آسيا، حيث تعتمد دول كثيرة على واردات الطاقة القادمة من الخليج، بالتزامن مع نزاعات بحرية مستمرة في بحر الصين الجنوبي. وقد حذر روبيو من أن السماح لدولة واحدة بالتحكم في ممر تجاري دولي يمكن أن يصنع سابقة قابلة للتكرار في مناطق أخرى.
بهذا المعنى، تحاول واشنطن تحويل ملف هرمز إلى اختبار دولي: هل يمكن لدولة ساحلية فرض شروطها على حركة التجارة العالمية بالقوة؟ وفي المقابل، ترى إيران أن موقعها الجغرافي يمنحها دوراً أساسياً في تنظيم الملاحة وضمان أمن المياه المحيطة بها. وبين الرؤيتين تبقى شركات الشحن والدول المستوردة للطاقة هي الطرف الأكثر تعرضاً للخسائر المباشرة.
ماذا قد يحدث بعد ذلك؟
السيناريو الأول يتمثل في نجاح التهديد الأميركي في ردع إيران عن مهاجمة السفن، بما يسمح بعودة تدريجية للملاحة ويمنح الوسطاء فرصة لإحياء التفاهم المؤقت. لكن عودة الحركة الطبيعية لن تعتمد على التصريحات وحدها، بل ستحتاج إلى ضمانات أمنية واضحة وإزالة الألغام وتقليل مخاطر الطائرات المسيرة والصواريخ الساحلية.
أما السيناريو الثاني فهو وقوع هجوم جديد يدفع واشنطن إلى تنفيذ معادلة «منشأة مقابل سفينة». وسيؤدي ضرب جسر أو محطة كهرباء قرب طهران إلى توسيع النطاق الجغرافي للحرب، وقد يدفع إيران إلى الرد على منشآت طاقة أو تحلية مياه أو قواعد أميركية داخل دول المنطقة.
ويظل السيناريو الأكثر خطورة مرتبطاً بالهجمات الغامضة أو الأخطاء في تحديد المسؤولية. فكلما أصبحت آلية الرد أكثر تلقائية، تقل المساحة المتاحة للتحقق والوساطة، وتزداد احتمالات اتخاذ قرار عسكري بناءً على معلومات غير مكتملة. لذلك قد تكون قوة التهديد الأميركي في وضوحه، لكن نقطة ضعفه تكمن في أن هذا الوضوح يقيّد قدرة واشنطن على التراجع من دون خسارة مصداقيتها.
يمثل إعلان ترامب انتقالاً من التهديد العام إلى وضع تسعيرة عسكرية محددة لكل هجوم على السفن في مضيق هرمز. والهدف الظاهر هو حماية الملاحة ورفع تكلفة التصعيد على إيران، إلا أن ربط كل حادث بحتمية ضرب منشأة حيوية قد يحول الحوادث البحرية المحدودة إلى سلسلة ردود يصعب احتواؤها.
وبينما تحاول واشنطن فرض الردع، تسعى طهران إلى استخدام موقع المضيق كورقة تفاوض وضغط اقتصادي. وستتوقف المرحلة المقبلة على قدرة الطرفين على إيجاد آلية تمنع الهجمات وتتحقق من المسؤولية عنها، لأن غياب هذه الآلية يجعل سفينة واحدة أو طائرة مسيرة مجهولة كافية لإعادة المنطقة إلى مواجهة أوسع.

