شهدت العلاقات التركية الإسرائيلية تصعيدًا ملحوظًا في الآونة الأخيرة، عقب الغارة التي شنتها إسرائيل على قاعدة أبو الظهور في سوريا، وتبادل الطرفان تصريحات شديدة اللهجة، ويسعى المراقبون إلى فهم ما إذا كان هذا التوتر مجرد سجال سياسي عابر أم مؤشر على خطر صدام إقليمي أوسع بين البلدين، خاصة مع تضارب الأهداف الأمنية لكل منهما في الساحة السورية.
دوافع التصعيد: حسابات الداخل أم تقاطعات الخارج؟
يرى العديد من الخبراء السياسيين أن التصريحات التصعيدية المتبادلة بين أنقرة وتل أبيب ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندات الداخلية لكل من الرئيس رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وبحسب الدكتورة إلكيم أوكيار، الأكاديمية بجامعة يدي تبه، فإن المصلحة الانتخابية تلعب دورًا محوريًا في هذا المشهد، حيث يحاول كل زعيم استثمار الخطاب القومي لتعزيز شعبيته أمام ناخبيه، خاصة مع اقتراب استحقاقات انتخابية في كلا البلدين.
من جانبه، يرى الأكاديمي هوارد إيسنستات أن “الالتفاف حول العلم” وتحقيق مكاسب سياسية من خلال تصوير الخصم كتهديد أمني يعد استراتيجية مشتركة، وهو ما يفسر حدة الخطاب الذي يغذي مواقف الطرفين، كما يشير المحلل صامويل فيستيربي إلى أن إسرائيل تستخدم التوتر مع تركيا لتحويل الأنظار عن الأزمات السياسية الداخلية، بينما تجد تركيا في معارضة السياسات الإسرائيلية نقطة إجماع وطني تساهم في تقليل حدة الانقسامات الداخلية.
أوهام الصدام العسكري ومظلة الناتو
مع تداول تقارير حول المقارنات العسكرية بين البلدين، برزت تساؤلات قانونية حول موقف حلف الناتو في حال حدوث مواجهة، وتؤكد الباحثة أليسا بافيا أن المادة الخامسة من ميثاق الناتو لا تشمل بالضرورة العمليات العسكرية في المناطق السورية، مستشهدة بتجارب تاريخية سابقة لم يتدخل فيها الحلف لحماية أطراف الناتو في نزاعات خارج نطاق تغطيتهم الجغرافية، وتضيف بافيا أن قنوات الاتصال غير الرسمية لا تزال مفتوحة، مما يجعل الصدام العسكري المباشر سيناريو مستبعدًا استراتيجيًا.
التنافس الإقليمي وتشكيل التحالفات
انعكس التوتر بشكل واضح على التحالفات الدفاعية في المنطقة، حيث لوحظ سباق محموم لتعزيز الشراكات:
- تركيا: بدأت خطوات عملية لتعزيز التعاون الدفاعي عبر “ميثاق مكة” مع السعودية وباكستان.
- إسرائيل: عززت تعاونها مع اليونان عبر اتفاقية “درع آخيل” التي تشمل تصدير أنظمة دفاع جوي متطورة بمبالغ طائلة.
هذا التنافس الإقليمي يشير إلى دخول المنطقة مرحلة “حرب باردة إقليمية”، وهو ما قد يؤدي -وفقًا للمراقبين- إلى تقييد فرص التعاون الأمني المستقبلي وتأزيم المشهد الأمني الإقليمي ككل.
المآلات الاقتصادية والسياسية
رغم المكاسب السياسية قصيرة الأمد التي قد يحققها التصعيد، يحذر خبراء من أن الاستمرار في هذا النهج يمثل مخاطرة اقتصادية كبيرة، ففي تركيا، قد يؤدي الانخراط في توترات عسكرية طويلة الأمد إلى استنزاف الموارد المالية في وقت تعاني فيه البلاد من ضغوط اقتصادية، مما قد ينقلب لاحقًا ضد القيادة السياسية في حال فشلت في إدارة التداعيات الاقتصادية، وبذلك، تظل المعادلة الحالية توازنًا دقيقًا بين الحاجة السياسية للظهور بموقف القوي، والواقع الاستراتيجي الذي يفرض تجنب المواجهة المباشرة والمكلفة.