تخطي إلى المحتوى

هروب لافاليت من السجن.. حيلة أنقذت رجلاً من الإعدام

هروب لافاليت من السجن.. حيلة أنقذت رجلاً من الإعدام

قبل ساعات من تنفيذ حكم الإعدام، لم يكن أنطوان لافاليت يملك كثيراً من الخيارات، فقد وجد نفسه داخل سجن فرنسي ينتظر مصيره بعد اتهامه بدعم عودة نابليون بونابرت إلى الحكم خلال فترة المئة يوم، وهي المرحلة التي فتحت باب الانتقام السياسي ضد كثير من رجال الإمبراطورية السابقة.

لكن النهاية التي كانت تبدو محسومة تحولت إلى واحدة من أغرب قصص الهروب في التاريخ، بعدما نجح لافاليت في مغادرة السجن متخفياً في ملابس زوجته إيميلي دي بوهارني، بينما بقيت هي مكانه داخل الزنزانة لتمنحه فرصة أخيرة للنجاة.

خلفية سياسية صنعت الخطر

بدأت الطريق إلى مأساة لافاليت مع سقوط باريس في مارس 1814، حين وصلت قوات التحالف إلى العاصمة الفرنسية ضمن الحملة على فرنسا، ليجد نابليون بونابرت نفسه مضطراً في أبريل من العام نفسه إلى التنازل عن العرش، وبعدها جرى نفيه إلى جزيرة ألبا بدلاً من سجنه.

لم تستمر عزلة نابليون طويلاً، ففي أواخر فبراير 1815 غادر ألبا خلسة برفقة عدد من الجنود والمساعدين، ثم نزل في خليج جوان وبدأ طريقه نحو باريس، ومع التفاف أنصار كثيرين حوله استعاد الحكم لفترة قصيرة عُرفت باسم المئة يوم، قبل أن تنتهي نهائياً بعد هزيمته في معركة واترلو.

أنطوان لافاليت

لماذا أصبح لافاليت هدفاً للسلطات؟

بعد السقوط الثاني لنابليون، اتجهت السلطات الفرنسية إلى ملاحقة الشخصيات التي ارتبطت بعودته إلى السلطة، وكان أنطوان ماري شامان، المعروف بلقب كونت دي لافاليت، واحداً من الأسماء التي وُضعت تحت الضغط بسبب موقعه السابق وصلته بنظام نابليون.

لم يكن لافاليت موظفاً عادياً في تلك المرحلة، فقد شغل منصب المدير العام للبريد منذ عام 1804، وهو منصب إداري حساس في دولة كانت تمر بتحولات سياسية وعسكرية عنيفة، لذلك بدا وجوده في المشهد خلال عودة نابليون سبباً كافياً لاتهامه بتسهيل الطريق أمام الإمبراطور العائد.

من البلاط الملكي إلى رجال نابليون

ولد أنطوان لافاليت في باريس يوم 14 أكتوبر 1769 داخل عائلة بورجوازية، وبدأ مسيرته قريباً من البلاط الملكي للويس السادس عشر قبل أن تتغير فرنسا بالكامل مع اندلاع الثورة الفرنسية، ليلتحق بعدها بالحرس الوطني ثم الجيش الثوري الفرنسي.

وخلال حروب الثورة الفرنسية، صعد لافاليت عسكرياً حتى وصل إلى رتبة جنرال، ثم كسب ثقة نابليون بونابرت خلال معركة جسر أركول عام 1796، وهي الثقة التي جعلته لاحقاً مساعداً له، قبل أن يرافقه في الحملة على مصر ويتولى مهاماً عديدة لصالحه.

المنصب الذي زاد ثقل الاتهام

بعد انقلاب 18 برومير في 9 نوفمبر 1799، الذي قاده نابليون وأنهى به الثورة الفرنسية عملياً، حصل لافاليت على مناصب إدارية مهمة، ثم عينه نابليون مديراً عاماً للبريد عام 1804، وهو المنصب الذي ظل فيه لنحو عشر سنوات حتى أجبر على تركه بعد التنازل الأول عن العرش.

وعندما عاد نابليون خلال فترة المئة يوم، استعاد لافاليت منصبه مرة أخرى، لكن هزيمة واترلو أنهت كل شيء، فمع رحيل نابليون النهائي عن الحكم، جرى عزل لافاليت واعتقاله، ثم حوكم بتهمة تسهيل عودة الإمبراطور إلى السلطة.

حكم بالإعدام ومحاولات أخيرة للإنقاذ

صدر حكم الإعدام بحق لافاليت، وكان من المقرر تنفيذه يوم 21 ديسمبر 1815، لتبدأ زوجته إيميلي دي بوهارني رحلة يائسة بين المحاكم والجهات الرسمية في محاولة لإثبات براءته ونفي علاقته المباشرة بعودة نابليون.

ولم تتوقف محاولاتها عند الإجراءات القانونية، فقد توسلت إلى الملك لويس الثامن عشر طلباً للعفو عن زوجها، لكن الرفض أغلق الطريق الرسمي تقريباً، وهنا انتقلت إيميلي من الدفاع القانوني إلى خطة إنقاذ جريئة تقوم على المخاطرة الشخصية الكاملة.

ليلة الهروب التي قلبت النهاية

في الليلة السابقة لتنفيذ الحكم، زارت إيميلي زوجها في السجن برفقة ابنتهما جوزيفين بحجة توديعه، وبعد أن اختلت به بعيداً عن أعين الحراس، تبادل الزوجان الثياب والأماكن، فارتدى لافاليت ملابس زوجته ووضع منديلاً على وجهه ثم خرج برفقة ابنته دون أن يثير الشك.

أما إيميلي، فبقيت في الزنزانة مكان زوجها وحرصت على إخفاء وجهها عن الحراس، وبذلك نجحت الخطة في دقائق قليلة، لكنها اعتمدت على جرأة نادرة، لأن أي ارتباك بسيط كان كفيلاً بكشف الحيلة قبل أن يغادر لافاليت السجن.

كيف اكتشف الهروب؟

لم يدرك الحراس ما حدث إلا في صباح اليوم التالي، عندما جاء وقت اقتياد المحكوم عليه إلى منصة الإعدام، عندها اكتشفوا أن الرجل المطلوب لم يعد موجوداً، وأن زوجته هي التي بقيت داخل الزنزانة بدلاً منه.

وبينما سُجنت إيميلي لبضعة أسابيع بسبب مساعدتها في تهريب زوجها، تمكن لافاليت من مواصلة الفرار بمساعدة أشخاص وفروا له طريقاً آمناً إلى بريطانيا، ليبقى هناك حتى عام 1822، حين حصل على عفو سمح له بالعودة إلى فرنسا.

لماذا بقيت القصة حية؟

تبدو قصة لافاليت مثيرة لأنها تجمع بين السياسة والمغامرة والوفاء العائلي في لحظة واحدة، فالرجل لم يهرب عبر نفق أو رشوة أو مواجهة مسلحة، بل نجا بخطة شديدة البساطة ظاهرياً، لكنها احتاجت إلى أعصاب ثابتة وثقة كاملة بين زوجين يعرفان أن الفشل يعني نهاية مأساوية.

كما تكشف القصة جانباً من مرحلة فرنسية مرتبكة بعد نابليون، حين لم تكن المحاكمات منفصلة تماماً عن الحسابات السياسية، فقد كان سقوط الإمبراطور يعني بالضرورة سقوط شبكة واسعة من رجاله ومؤيديه، ومن هنا جاء الخطر الذي أحاط بكل من ارتبط بعودته ولو من موقع إداري.

ما الذي حدث بعد العودة إلى فرنسا؟

بعد حصوله على العفو عام 1822، عاد أنطوان لافاليت إلى فرنسا بعدما قضى سنوات في بريطانيا بعيداً عن بلاده، وبذلك نجا من حكم كان يفترض أن ينهي حياته في ديسمبر 1815، لكنه ظل يحمل معه قصة هروب استثنائية بقيت مرتبطة باسمه أكثر من كثير من مناصبه.

وتوفي لافاليت في فرنسا عام 1830 بسبب سرطان الرئة، لتنتهي حياته بعد خمسة عشر عاماً تقريباً من الليلة التي خرج فيها من السجن في هيئة زوجته، وهي اللحظة التي حولته من مسؤول سابق في نظام نابليون إلى صاحب واحدة من أشهر حكايات النجاة من الإعدام.

جدول يوضح أبرز محطات القصة

لم يكن هروب أنطوان لافاليت مجرد حيلة ذكية للنجاة من حكم الإعدام، بل كان انعكاساً لمرحلة سياسية مضطربة عاشت فيها فرنسا بين إرث الثورة وظل نابليون وعودة الملكية، وهي مرحلة كان فيها الولاء السابق كافياً أحياناً لوضع صاحبه أمام المقصلة.

وتبقى جرأة إيميلي دي بوهارني هي العنصر الأكثر حضوراً في القصة، لأنها لم تكتف بالدفاع عن زوجها بالكلمات والطلبات الرسمية، بل وضعت نفسها مكانه حرفياً داخل السجن، لتمنحه فرصة حياة صنعت واحدة من أكثر قصص الهروب دهشة في التاريخ الفرنسي.

عن الكاتب

كاتب في الموقع، يشارك في تغطية الأخبار والتقارير والتحليلات.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *