بنجامين فرانكلين بين استقلال أميركا واختراع مانعة الصواعق

صورة تعبيرية لتجربة بنجامين فرانكلين أثناء دراسة البرق والكهرباء.

جمع بنجامين فرانكلين بين السياسة والعلم في مسيرة نادرة، إذ شارك في لحظة مفصلية من تاريخ الولايات المتحدة عبر توقيعه على إعلان الاستقلال، وفي الوقت نفسه قدم ابتكارات علمية كان أبرزها مانعة الصواعق، التي ساعدت البشر على فهم خطر البرق والتعامل معه بطريقة عملية، لذلك لا تكمن أهميته في منصب سياسي أو اختراع واحد فقط، بل في قدرته على تحويل المعرفة إلى أثر مباشر في حياة الناس.

من إعلان الاستقلال إلى تأسيس دولة جديدة

في 4 يوليو 1776، تبنى الكونغرس القاري إعلان استقلال الولايات المتحدة الأميركية عن بريطانيا، وهو القرار الذي فتح مرحلة جديدة في تاريخ المستعمرات الثلاث عشرة، قبل أن تستمر حرب الاستقلال حتى مطلع سبتمبر 1783، حين جرى توقيع اتفاقية باريس التي اعترفت فيها بريطانيا بالولايات المتحدة وقبلت بترسيم حدودها مع مستعمراتها في شمال القارة الأميركية.

وكان بنجامين فرانكلين بين 56 نائبًا اعتمدوا ووقعوا إعلان الاستقلال، ممثلًا عن ولاية بنسلفانيا في الكونغرس القاري، ما جعله واحدًا من الأسماء المرتبطة بتأسيس الدولة الأميركية، لكن حضوره لم يقتصر على السياسة، لأنه كان أيضًا عالمًا ومخترعًا ترك أثرًا واضحًا في مجالات عملية لا تزال نتائجها مستخدمة حتى اليوم.

تعليم محدود وشغف واسع بالمعرفة

ولد بنجامين فرانكلين في 17 يناير 1706 بمدينة بوسطن، داخل عائلة كبيرة كان والده جوزياه فرانكلين قد رزق فيها بسبعة عشر طفلًا من زواجه بآن شيلد ثم آبيه فولغر، ولم يحصل فرانكلين على تعليم مدرسي طويل، إذ درس عامين فقط قبل أن يضطر إلى الانقطاع بسبب الظروف المادية لأسرته.

لكن هذا الانقطاع لم يوقف مسيرته، بل دفعه إلى التعليم الذاتي عبر قراءة الكتب المتاحة، ومع الوقت بدأ اهتمامه يتجه إلى الفيزياء والظواهر الطبيعية، قبل أن يعمل في الثانية عشرة من عمره مع شقيقه جيمس في مجال الطباعة، ثم ينتقل في السابعة عشرة إلى فيلادلفيا حيث واصل عمله واكتسب شهرة بفضل اهتمامه بالنشر والأفكار العلمية.

لوحة زيتية تعبيرية توثق تجربة بنجامين فرانكلين التي مهدت لاختراع مانعة الصواعق.

حضور سياسي ودبلوماسي مؤثر

شغل فرانكلين خلال مسيرته عددًا من المناصب المهمة، من بينها مدير مكتب البريد العام في المستعمرات الثلاث عشرة، كما حصل على مقعد في مجلس بنسلفانيا وتولى رئاسة الولاية، ومثلها في الكونغرس القاري الثاني الذي أقر وثيقة الاستقلال.

وفي مرحلة لاحقة، انتقل دوره إلى الدبلوماسية، حيث شغل مناصب بارزة ممثلًا للولايات المتحدة في الخارج، خاصة في فرنسا والسويد بحسب المعلومات المتاحة، قبل أن يشارك في نهاية مشواره ضمن لجنة سعت إلى مناهضة العبودية في بنسلفانيا، وهو ما يعكس اتساع اهتمامه من بناء الدولة إلى القضايا الاجتماعية والإنسانية.

مانعة الصواعق واختبار فكرة البرق

إلى جانب دوره السياسي، كان فرانكلين من أشهر المخترعين الأميركيين في القرن الثامن عشر، وتنسب إليه ابتكارات متعددة مثل زعنفة السباحة والنظارات ثنائية البؤرة وآلة الهارمونيكا الزجاجية، لكن اختراعه الأبرز ارتبط بمحاولة فهم البرق باعتباره ظاهرة كهربائية.

في حدود عام 1752، درس فرانكلين طبيعة البرق وشكك في تفسيره التقليدي، وطرح فكرة أن الكهرباء الموجودة في السحب يمكن جذبها ونقلها عبر أجسام معدنية، ثم أجرى تجربته الشهيرة باستخدام طائرة ورقية ربطها بخيط ناقل للكهرباء وثبت في طرفها مفتاحًا معدنيًا، ولاحظ خلال عاصفة وجود شرارات قرب المفتاح عند تقريب إصبعه منه.

لماذا غيّرت مانعة الصواعق حياة البشر؟

أهمية تجربة فرانكلين لم تكن في إثبات الطابع الكهربائي للبرق فقط، بل في تحويل الفكرة إلى وسيلة حماية عملية، إذ قادت هذه التجربة إلى ابتكار مانعة الصواعق، التي تستخدم لامتصاص الشحنات الكهربائية الناتجة عن الصواعق وتوجيهها بعيدًا عن المباني والأفراد والأجهزة.

وهنا تظهر القيمة الحقيقية للاختراع، فالبرق لم يكن مجرد ظاهرة طبيعية مبهرة، بل كان سببًا في حرائق وخسائر بشرية ومادية، ولذلك فإن مانعة الصواعق قدمت حلًا هندسيًا بسيطًا في فكرته وعميقًا في أثره، لأنها جعلت مواجهة الخطر ممكنة بدل الاكتفاء بالخوف منه.

يمثل بنجامين فرانكلين نموذجًا لشخصية جمعت بين التعلم الذاتي والعمل العام والبحث العلمي، فقد شارك في لحظة تأسيسية من تاريخ الولايات المتحدة، وأسهم في الوقت نفسه باختراع أنقذ مباني وأرواحًا من أخطار الصواعق، ولذلك فإن قصته لا تختصر في أنه أحد الآباء المؤسسين فقط، بل في أنه رجل حوّل الفضول العلمي إلى أداة حماية ما زالت حاضرة في العالم حتى اليوم.

Amr Sayed
عن الكاتب

Amr Sayed

كاتب في الموقع، يشارك في تغطية الأخبار والتقارير والتحليلات.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *