تمكن باحثون من قراءة رسالة مسمارية عمرها نحو 4 آلاف عام، كانت مخبأة داخل غلاف طيني مغلق، دون كسر القطعة أو فتحها، بعد استخدام ماسح محمول يعتمد على التصوير المقطعي بالأشعة السينية، وهو ما أتاح رؤية النص الداخلي رقميًا والحفاظ على الغلاف الأثري في حالته الأصلية.
الأهمية الحقيقية للاكتشاف لا تتعلق فقط بقراءة نص قديم، بل بأن الرسالة كشفت جانبًا عمليًا من الحياة اليومية في شبكة التجارة الآشورية القديمة، حيث كانت امرأة تدعى آنا آنا تتابع تحصيل دين من الفضة نيابة عن زوجها التاجر إنوم آشور أثناء غيابه، في مشهد يربط بين الأسرة والمال والسفر والتجارة قبل آلاف السنين.
كيف قرأ العلماء الرسالة دون فتح الغلاف؟
اعتمد الفريق البحثي على جهاز يسمى ENCI، وهو اختصار لعبارة Extracting Non-destructively Cuneiform Inscriptions، أي استخراج الكتابات المسمارية بطريقة غير تدميرية، ويعمل الجهاز على فحص الغلاف الطيني بالأشعة السينية ثم إعادة بناء اللوح الداخلي رقميًا، بما يسمح برؤية الكتابة دون لمس القطعة أو تعريضها للتلف.
هذه النقطة مهمة لأن فتح الأغلفة الطينية القديمة كان يمثل معضلة للباحثين، فالغلاف نفسه يحمل أختامًا ومعلومات أثرية لا تقل أهمية عن النص الداخلي، وكسره يعني خسارة جزء من الدليل، بينما تركه مغلقًا يعني بقاء الرسالة مجهولة، لذلك جاءت التقنية الجديدة كحل وسط يحافظ على القطعة ويكشف محتواها في الوقت نفسه.

ماذا كان داخل الرسالة القديمة؟
الرسالة كانت موجهة من آنا آنا إلى زوجها إنوم آشور، وهو تاجر آشوري كان يتنقل بين مدن الأناضول في النصف الأول من القرن التاسع عشر قبل الميلاد، وقد ظلت الرسالة داخل غلافها منذ كتابتها، حتى إن جامعة هامبورغ أشارت إلى أن زوجها نفسه ربما لم يقرأها مطلقًا.
وبحسب الترجمة المنشورة في الدراسة، كانت آنا آنا تخبر زوجها بأنها تابعت رجلًا اسمه لاقيبوم بسبب فضة مستحقة، وأنه رفض تسليم المال لها قائلًا إنه سيدفعه للزوج عند عودته، ثم طلبت من زوجها العودة خلال مدة محددة، ما يجعل النص أقرب إلى تقرير عائلي وتجاري في الوقت نفسه.
لماذا تكشف الرسالة دور النساء في التجارة؟
ما تضيفه الرسالة للقارئ أن المرأة في هذه الأسر التجارية لم تكن مجرد طرف بعيد عن النشاط الاقتصادي، فآنا آنا كانت تتحرك لتحصيل دين، وتراجع ادعاء المدين، وتهدده بالاستعانة بشهود، ثم تكتب لزوجها بتفاصيل ما حدث، وهذا يعطي صورة أوضح عن إدارة النساء لشؤون الأسرة والعمل أثناء سفر الأزواج.

هذه التفاصيل الصغيرة تجعل الوثيقة أوسع من كونها رسالة شخصية، لأنها تفتح بابًا لفهم طريقة عمل التجارة الآشورية القديمة، حيث ارتبطت الديون والفضة والسفر والعائلة في شبكة واحدة، وكان الغياب الطويل للتجار يفرض على النساء أدوارًا عملية في المتابعة والتفاوض والحفاظ على مصالح الأسرة.
أين عثر على الرسالة؟
عثر على الرسالة في موقع كول تبه، المعروف قديمًا باسم كانش، في وسط تركيا، وهو من أهم مراكز التجارة الآشورية القديمة في الأناضول، وقد ارتبط بأرشيفات واسعة تضم رسائل وعقودًا وسجلات مالية تساعد الباحثين على فهم حركة التجار القادمين من مدينة آشور في شمال بلاد الرافدين.
وتشير الدراسة إلى أن غلاف الرسالة كان يحمل اسم إنوم آشور وختم آنا آنا، بينما بقي النص الأساسي مخفيًا في الداخل، وهو ما يوضح كيف كانت الأغلفة الطينية تؤدي وظيفة تشبه الظرف الحديث، لكنها في الوقت نفسه كانت تحمل طبعات أختام تجعل العبث بالمحتوى واضحًا.
بذرة شعير داخل غلاف طيني
لم تكشف الأشعة السينية عن النصوص فقط، بل ساعدت أيضًا في رؤية تفاصيل مادية مخفية داخل بعض الأغلفة، ومن بينها جسم عضوي صغير تبين أنه بذرة شعير محفوظة داخل الطين منذ آلاف السنين، وهو ما يوضح أن التقنية قد تقدم معلومات عن البيئة والمواد وطريقة تصنيع القطع، وليس عن الكتابة وحدها.
هذا يعني أن قيمة ENCI لا تقتصر على قراءة الرسائل، بل تمتد إلى دراسة ما بداخل القطع الأثرية دون إتلافها، مثل طبقات الطين، وطريقة الغلق، وآثار الأختام، والمواد الصغيرة التي قد تكون عالقة داخل الغلاف منذ لحظة تصنيعه.

لماذا قد يغير هذا الاكتشاف دراسة الألواح المسمارية؟
أهمية التقنية أنها قابلة للنقل إلى المتاحف، ما يسمح بفحص القطع في أماكن حفظها بدل نقلها إلى أجهزة ضخمة، وقد أشارت جامعة هامبورغ إلى أن الجهاز استخدم في متحف اللوفر وفي متحف حضارات الأناضول في أنقرة ضمن أولى تجاربه العلمية.
إذا استُخدمت هذه الطريقة على نطاق أوسع، فقد تفتح مئات الوثائق المغلقة التي بقيت بعيدة عن القراءة خوفًا من تلفها، وهذا قد يضيف نصوصًا جديدة عن التجارة والديون والعلاقات الأسرية والحياة اليومية في بدايات الألفية الثانية قبل الميلاد، دون التضحية بالقطع الأصلية.
الاكتشاف يذكّر بأن بعض أهم تفاصيل التاريخ لا تكون دائمًا في النصوص الملكية أو النقوش الكبرى، بل في رسالة عائلية صغيرة بقيت داخل الطين، تحمل شكوى مالية وطلب عودة، ثم تتحول بعد 4 آلاف عام إلى مصدر لفهم التجارة والأسرة والمرأة في العالم الآشوري القديم.
ما التقنية التي استخدمها العلماء لقراءة الرسالة؟
استخدم الباحثون جهاز ENCI، وهو ماسح محمول يعتمد على التصوير المقطعي بالأشعة السينية، ويعيد بناء اللوح المخفي داخل الغلاف الطيني رقميًا دون فتح القطعة أو كسرها.
أين كانت الرسالة محفوظة؟
الرسالة عُثر عليها في كول تبه، أو كانش القديمة، وكانت محفوظة لسنوات في متحف حضارات الأناضول في أنقرة، بحسب جامعة هامبورغ.
ماذا تكشف الرسالة عن الحياة القديمة؟
تكشف الرسالة أن بعض النساء في الأسر التجارية الآشورية كن يشاركن عمليًا في متابعة الديون والشؤون المالية أثناء سفر الأزواج، ما يجعلها وثيقة مهمة لفهم الحياة الاجتماعية والاقتصادية لا مجرد نص أثري قديم.