لم تكن حياة جوزيفين دي بوهارني مجرد قصة زوجة نابليون بونابرت وإمبراطورة فرنسا، بل كانت رحلة شديدة التقلب بين الفقر النسبي، والزواج المضطرب، والسجن، والاقتراب من المقصلة، ثم الوصول إلى قمة السلطة في واحدة من أكثر مراحل التاريخ الفرنسي اضطرابًا.
في عام 1794، كادت جوزيفين أن تلقى المصير نفسه الذي لقيه زوجها ألكسندر دي بوهارني تحت شفرة المقصلة خلال سنوات الثورة الفرنسية، لكن نهاية عهد الرعب وإعدام ماكسيميليان روبسبيار غيّرا مسار حياتها، لتخرج من السجن وتبدأ بعد ذلك فصلًا جديدًا انتهى بها إلى قصر الإمبراطورية إلى جانب نابليون.
من المارتينيك إلى فرنسا
وُلدت جوزيفين دي بوهارني يوم 23 يونيو 1763 في مستعمرة المارتينيك بالكاريبي، لأسرة فرنسية عملت في الزراعة ورغم أن عائلتها امتلكت أراضي وعبيدًا في المستعمرة، فإن طفولتها لم تكن مستقرة بالكامل، إذ عاشت الأسرة أزمات مالية أثرت في ظروف نشأتها.
في سن السادسة عشرة، انتقلت جوزيفين إلى فرنسا، حيث دخلت سريعًا عالم الطبقة الأرستقراطية عبر زواجها من ألكسندر دي بوهارني، وهو نبيل وعسكري فرنسي شارك في حرب الاستقلال الأميركية ضد البريطانيين، تم الزواج يوم 13 ديسمبر 1779، وأنجبت منه طفلين، لكن العلاقة بين الزوجين لم تكن هادئة.
زواج مضطرب وانفصال دون طلاق
رغم المكانة الاجتماعية لألكسندر دي بوهارني، لم تنجح حياته الزوجية مع جوزيفين، فقد عانى الزواج من خلافات متكررة، أبرزها بسبب علاقات ألكسندر ومغامراته العاطفية، ما جعل العلاقة بينهما تتدهور تدريجيًا.
في عام 1783، ابتعد الزوجان عن بعضهما، واصطحبت جوزيفين أطفالها وعادت إلى المارتينيك وبعد عودتها إلى فرنسا لاحقًا، توصلت مع ألكسندر عام 1785 إلى اتفاق انفصال دون طلاق رسمي.
ومع ذلك، لم تنقطع العلاقة بينهما بالكامل، فقبل اندلاع الثورة الفرنسية عام 1789، ظل التواصل قائمًا بين جوزيفين وألكسندر في بعض المناسبات، وحافظا على قدر من العلاقة المقبولة رغم الانفصال.
الثورة الفرنسية تقلب كل شيء
مع اندلاع الثورة الفرنسية، تغيرت حياة ألكسندر دي بوهارني بشكل كبير، فقد دخل العمل السياسي، وأصبح نائبًا في المجلس التأسيسي، ثم رئيسًا للمجلس الوطني عام 1791، قبل أن يعود مرة أخرى إلى الحياة العسكرية ويتولى قيادة جيش الراين.
لكن الهزيمة في معركة ماينتز قلبت وضعه السياسي والعسكري وبعد استسلام جيش الراين أمام قوات التحالف، استقال ألكسندر من منصبه وعاد إلى أراضيه، إلا أن ذلك لم يحمِه من أجواء الشك والاتهامات التي سيطرت على فرنسا خلال عهد الرعب.
في مارس 1794، اعتُقل ألكسندر واتُّهم بالخيانة والتآمر ضد الدولة وبعد مثوله أمام المحكمة الثورية، أُعدم بالمقصلة يوم 23 يوليو من العام نفسه، قبل أيام قليلة فقط من سقوط روبسبيار ونهاية أكثر مراحل الثورة دموية.
جوزيفين تنتظر مصيرها في السجن
لم يكن ألكسندر وحده في دائرة الخطر، فقد اعتقلت جوزيفين دي بوهارني أيضًا، وسُجنت في سجن كارميس، وواجهت اتهامات خطيرة تتعلق بأنشطة سياسية مشبوهة والتآمر، بسبب حضورها اجتماعات ونشاطات اعتُبرت مريبة في ذلك الوقت.
في ظل أجواء عهد الرعب، لم تكن مثل هذه الاتهامات بسيطة، كثيرون ممن واجهوا اتهامات مشابهة انتهوا أمام المحكمة الثورية، ثم إلى المقصلة، لذلك بدا أن جوزيفين تسير نحو المصير نفسه الذي لقيه زوجها.
لكن التاريخ تدخل في اللحظة الأخيرة، ففي 28 يوليو 1794، انتهى عهد الرعب بإعدام روبسبيار وسانت جوست وبعد أيام قليلة، وتحديدًا يوم 6 أغسطس، استعادت جوزيفين حريتها وخرجت من السجن، بعدما كانت قريبة من الموت.
كيف غيّرت أيام قليلة مصيرها؟
قصة جوزيفين تكشف كيف كان الفارق بين الحياة والموت خلال الثورة الفرنسية قد يحسم بتوقيت المحاكمة فقط، فلو مثلت أمام المحكمة الثورية قبل سقوط روبسبيار بأيام، ربما كانت ستواجه المصير نفسه الذي واجهه زوجها.
لكن تأخر إجراءات محاكمتها، ثم سقوط قادة عهد الرعب، منحاها فرصة جديدة، هذه المصادفة السياسية لم تنقذ حياتها فقط، بل فتحت أمامها طريقًا لم يكن متوقعًا نحو دوائر النفوذ في باريس، ثم نحو نابليون بونابرت.
من الناجية من المقصلة إلى زوجة نابليون
في عام 1795، التقت جوزيفين بنابليون بونابرت في باريس، خلال مرحلة سياسية شهدت صراعًا بين أنصار الجمهورية ومساندي عودة الملكية، كان نابليون في طريقه للصعود، وكانت جوزيفين قد استعادت حضورها داخل المجتمع الفرنسي بعد خروجها من السجن.
تزوج نابليون من جوزيفين لاحقًا، ورغم أنهما لم يرزقا بأطفال، فإنها ظلت شخصية مؤثرة في حياته السياسية والاجتماعية ومع صعود نابليون السريع، صعدت جوزيفين معه من أرملة نجت من المقصلة إلى واحدة من أبرز نساء فرنسا.
لحظة التتويج إمبراطورة
في 18 مايو 1804، أعلن نابليون إنشاء الإمبراطورية الفرنسية، ونصّب نفسه إمبراطورًا على فرنسا وبذلك أصبحت جوزيفين إمبراطورة فرنسا، وهو اللقب الذي حافظت عليه حتى طلاقها من نابليون في أواخر عام 1809.
كان الطلاق مرتبطًا بعدم إنجاب وريث، وهو أمر كان شديد الأهمية بالنسبة لنابليون الذي أراد تأمين استمرار حكمه عبر نسل مباشر ورغم الانفصال، بقيت جوزيفين شخصية حاضرة في ذاكرة نابليون، حتى بعد نفيه لاحقًا إلى جزيرة إلبا.
نهاية في قصر مالميزون
توفيت جوزيفين دي بوهارني يوم 29 مايو 1814 عن عمر ناهز 50 عامًا، بعد معاناتها من التهاب رئوي وذبحة صدرية وفارقت الحياة في قصر مالميزون بمنطقة إيل دو فرانس، في فترة كان فيها نابليون منفيًا في جزيرة إلبا بعد تنازله الأول عن العرش.
لم يتمكن نابليون من رؤيتها للمرة الأخيرة، وهو ما جعل خبر وفاتها صادمًا له، خاصة أنه كان يستعد لاحقًا للفرار من إلبا والعودة إلى فرنسا وبرحيلها، انتهت حياة امرأة عاشت بين نهايات متناقضة: من السجن والمقصلة إلى العرش، ومن زواج فاشل إلى لقب إمبراطورة فرنسا.
خط زمني في حياة جوزيفين دي بوهارني
| السنة | الحدث |
|---|---|
| 1763 | ولادة جوزيفين في المارتينيك |
| 1779 | زواجها من ألكسندر دي بوهارني في فرنسا |
| 1783 | ابتعادها عن ألكسندر وعودتها إلى المارتينيك مع أطفالها |
| 1785 | اتفاق انفصال بينها وبين ألكسندر دون طلاق رسمي |
| 1794 | إعدام ألكسندر بالمقصلة خلال عهد الرعب |
| 1794 | اعتقال جوزيفين ثم نجاتها بعد سقوط روبسبيار |
| 1795 | لقاؤها الأول بنابليون بونابرت في باريس |
| 1804 | أصبحت إمبراطورة فرنسا بعد إعلان الإمبراطورية |
| 1809 | طلاقها من نابليون |
| 1814 | وفاتها في قصر مالميزون |
لم تكن جوزيفين دي بوهارني مجرد امرأة ارتبط اسمها بنابليون، بل كانت شاهدة على عنف الثورة الفرنسية وصعود الإمبراطورية، قصتها تختصر تحولات فرنسا في تلك المرحلة: أرستقراطية مهددة بالموت، وسجينة تنتظر المقصلة، ثم إمبراطورة تجلس إلى جوار الرجل الذي غيّر وجه أوروبا.