راصد الزلازل الهولندي وزلزال مصر.. قراءة بلا تهويل

عاد اسم راصد الزلازل الهولندي فرانك هوغربيتس إلى الواجهة بعد الهزة الأرضية التي شعر بها سكان في القاهرة الكبرى ومحافظات أخرى فجر الاثنين 3 أغسطس 2026، بعدما ربط متابعون بين ما حدث وبين تحذير سابق نشره عن احتمال زيادة النشاط الزلزالي عالمياً بين 2 و4 أغسطس، غير أن أهمية القصة لا تقف عند سؤال: هل تنبأ الرجل بزلزال مصر؟ بل عند سؤال أدق: كيف تتحول عبارة عامة عن نشاط زلزالي عالمي إلى “تنبؤ” محدد في وعي الجمهور؟

بحسب تقارير نقلت عن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، بلغت قوة الهزة 5.6 درجة، ووقعت قرب مدينة السويس، من دون تسجيل خسائر بشرية أو مادية، بينما أشارت تقديرات أخرى، بينها المركز الألماني لأبحاث علوم الأرض، إلى قوة أقل قليلاً عند 5.4 درجة وعلى عمق يقارب 10 كيلومترات.

قبل الهزة التي شعر بها سكان في مصر، كان هوغربيتس قد نشر عبر منصته المرتبطة بما يسميه “هندسة النظام الشمسي” تحذيراً من احتمال حدوث تجمع زمني لهزات أرضية أقوى في الفترة من 2 إلى 4 أغسطس، مع رفع احتمالات حدوث زلازل بقوة 5.5 درجات أو أكثر على مستوى العالم ووفقاً لموقع SSGEOS، تحدّث التحديث المنشور في 2 أغسطس عن “فرصة مرتفعة” لتجمع زمني لهزات قوية خلال هذه الأيام، مع جدول احتمالات لقوى زلزالية مختلفة.

هنا تظهر أول نقطة فاصلة في قراءة الخبر: التحذير لم يذكر مصر تحديداً، ولم يحدد مركزاً زلزالياً أو توقيتاً دقيقاً أو نطاقاً جغرافياً ضيقاً لذلك، فإن وصف ما جرى بأنه “تنبؤ بزلزال مصر” يحتاج إلى حذر مهني، لأن العبارة الأقرب للدقة هي أنه تحدث عن نافذة زمنية عالمية لنشاط زلزالي، ثم وقعت خلالها هزة في مصر.

تفاصيل التطور الجديد

الهزة المصرية لم تكن مدمرة، لكنها كانت لافتة لأنها حدثت في وقت متأخر وشعر بها سكان في مناطق واسعة نسبياً، وهو ما يفسر سرعة انتشارها على مواقع التواصل وعادة ما تزيد الهزات التي يشعر بها سكان المدن الكبرى من القلق العام، ليس بالضرورة بسبب قوتها فقط، بل بسبب عنصر المفاجأة وغياب المعرفة التفصيلية لدى الجمهور حول ما يجب فعله أثناء وبعد الاهتزاز.

وتكمن حساسية الحدث أيضاً في موقعه القريب من نطاق السويس، وهي منطقة لها حضور في الدراسات الزلزالية المصرية، فقد تناولت دراسة علمية سابقة حدثاً زلزالياً وقع في 31 ديسمبر 2018 شرق القاهرة وبالقرب من العاصمة الإدارية، وفسرته في إطار التراكيب التكتونية المرتبطة بامتداد خليج السويس، ما يعني أن الإحساس بهزات في هذا الحيز الجغرافي ليس خارج السياق الجيولوجي المعروف، حتى لو ظل كل حدث يحتاج إلى تقييم مستقل.

الزاوية الأهم في القصة ليست شهرة هوغربيتس، بل طريقة استقبال الجمهور لتوقعاته، عندما يقول شخص ما إن هناك احتمالاً لهزات بين 5 و6 درجات “في العالم” خلال عدة أيام، فإن احتمالات العثور على زلزال يوافق هذه النافذة تصبح أعلى من الناحية الإحصائية، لأن الأرض تسجل باستمرار نشاطاً زلزالياً متفاوت القوة في مناطق مختلفة، هنا تتحول اللغة العامة إلى مادة قابلة لإعادة التأويل بعد وقوع الحدث.

العلماء يميزون بين “التنبؤ” و“التوقع الاحتمالي”، التنبؤ الدقيق بالزلازل يجب أن يحدد ثلاثة عناصر معاً: الوقت، والمكان، والقوة ووفقاً لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، لا تستطيع أي جهة علمية حتى الآن التنبؤ بزلزال كبير بهذه الدقة، بينما يمكن للعلماء فقط حساب احتمالات زلزالية طويلة المدى في مناطق معينة.

لذلك، فالمشكلة ليست في متابعة التحذيرات أو الاهتمام بالسلامة، بل في تحويل إشارات غير محددة إلى يقين، هذه النقطة مهمة لمواقع الأخبار تحديداً، لأن العنوان المثير قد يجلب قراءة سريعة، لكنه قد يصنع حالة خوف لا تستند إلى معلومة قابلة للتحقق.

لماذا يثير هوغربيتس كل هذا الجدل؟

اشتهر هوغربيتس عالمياً بعد زلزال تركيا وسوريا في فبراير 2023، حين قال إنه توقع الكارثة قبل وقوعها، وهو زلزال خلف أكثر من 50 ألف قتيل وفقاً لتقديرات دولية ومنذ ذلك الوقت، صار اسمه يظهر تقريباً مع كل هزة كبيرة أو متوسطة، خصوصاً في المنطقة العربية، حيث تتقاطع الذاكرة القريبة لزلزال تركيا مع خوف طبيعي من تكرار سيناريو مشابه.

لكن شهرته لا تعني قبولاً علمياً لنظريته، الفكرة التي يطرحها عن تأثير اقترانات الكواكب والقمر على الزلازل لا تحظى بإجماع علمي، والهيئات الزلزالية الرسمية تتعامل مع الزلازل باعتبارها نتيجة لحركة الصفائح والفوالق وتراكم الإجهاد في القشرة الأرضية، لا باعتبارها نتيجة مباشرة لمشهد فلكي عابر ولهذا يصبح التعامل الصحفي السليم هو نقل ما قاله الرجل بصفته ادعاءً أو توقعاً، لا بصفته حقيقة مثبتة.

التأثير المتوقع

الأرجح أن يستمر تداول اسم راصد الزلازل الهولندي خلال الأيام المقبلة، خصوصاً لأنه تحدث عن احتمال استمرار النشاط الزلزالي خلال الأسبوع نفسه، لكن على مستوى الجمهور، لا ينبغي أن يكون السؤال: هل ننتظر زلزالاً جديداً؟ بل: هل نعرف كيف نتصرف إذا حدثت هزة؟ الفارق كبير بين القلق السلبي والاستعداد العملي.

ومن زاوية أوسع، تكشف الواقعة أن الجمهور يحتاج إلى خطاب مبسط حول الزلازل أكثر من حاجته إلى نبوءات، المطلوب ليس تجاهل المخاطر، بل بناء ثقافة سلامة: متابعة البيانات الرسمية، تجنب الشائعات، معرفة أماكن الوقوف الآمنة داخل المنزل، وفحص أي مبنى تظهر عليه شروخ أو أضرار بعد الهزات، هذه الإجراءات لا تحتاج إلى تنبؤ دقيق، لكنها تقلل الخسائر عندما يقع الحدث بالفعل.

قصة زلزال مصر وتصريحات فرانك هوغربيتس تكشف عن معادلة دقيقة بين الخبر والعلم والخوف العام، نعم وقع زلزال شعر به سكان في مصر، ونعم، كان هناك تحذير سابق من نافذة زمنية لنشاط زلزالي عالمي، لكن ذلك لا يكفي علمياً للقول إن زلزال مصر تم التنبؤ به بدقة، القيمة الحقيقية للحدث ليست في ملاحقة التوقعات المثيرة، بل في ترسيخ وعي عام أكثر هدوءاً: الزلازل لا تُدار بالذعر، بل بالمعلومة الرسمية والاستعداد السليم.

Amr Sayed
عن الكاتب

Amr Sayed

كاتب في الموقع، يشارك في تغطية الأخبار والتقارير والتحليلات.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *