هل تنضم مصر إلى اتفاق مكة؟ قراءة في الحسابات المحتملة

عاد الحديث عن موقع مصر في ترتيبات الأمن الإقليمي بعد تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، التي توقع فيها انضمام القاهرة في المرحلة المقبلة إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، لكن أهمية هذا الطرح لا تكمن في التوقع التركي وحده، بل في غياب موقف مصري رسمي حتى الآن، وفي طبيعة الاتفاق نفسه الذي يتجاوز التعاون العسكري التقليدي إلى مبدأ الردع الجماعي.

موقف مصري غير معلن حتى الآن

لم تعلن القاهرة موقفًا رسميًا من الانضمام إلى اتفاق مكة، رغم أن وزارة الخارجية المصرية أفادت بأن الوزير بدر عبد العاطي ونظيره التركي بحثا خلال اتصال هاتفي الترتيبات الأمنية الإقليمية، والجهود الرامية إلى خفض التصعيد ودعم الاستقرار في المنطقة.

هذا يعني أن الملف حاضر في النقاشات الإقليمية، لكنه لم يتحول بعد إلى قرار مصري معلن، والفارق هنا مهم، لأن الانضمام إلى اتفاق دفاع مشترك ليس خطوة بروتوكولية، بل قرار يرتبط بحسابات الأمن القومي، وموقع مصر في توازنات المنطقة، وطبيعة التزاماتها تجاه أي صراع محتمل.

لماذا تبدو حسابات القاهرة مختلفة؟

قال أسامة محمود كبير، المحاضر في كلية القادة والأركان بالأكاديمية العسكرية المصرية، إن مصر لم تشارك في تاريخها الحديث في تحالفات عسكرية ثنائية أو ثلاثية، لكنها تشارك في مهام عملياتية دولية صادرة بشأنها قرارات أممية، موضحًا أن ذلك يرتبط باعتبارات الدولة المصرية تجاه أمنها القومي وأمن الإقليم، وحرصها على عدم توسيع دائرة الصراع الراهن.

هذه القراءة تفسر جانبًا من الحذر المصري المتوقع، فالقاهرة عادةً تميل إلى التحرك داخل أطر تضمن شرعية واضحة، أو تخدم هدفًا محددًا دون إدخالها في التزامات مفتوحة، لذلك فإن أي قرار بشأن اتفاق مكة سيحتاج إلى تقدير دقيق لما إذا كان الاتفاق يعزز الاستقرار، أم يضيف التزامات قد تزيد حساسية الموقف الإقليمي.

اتفاق يتجاوز التعاون العسكري التقليدي

بحسب ما ورد في المعلومات المتاحة، تنص اتفاقية مكة للدفاع المشترك على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجومًا على الجميع، كما تهدف إلى تعزيز الردع المشترك وتطوير أوجه التعاون الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، وفق وكالة الأنباء السعودية “واس”.

هذا البند هو ما يجعل الاتفاق مختلفًا عن اتفاقيات التدريب أو التسليح أو تبادل الخبرات، لأنه ينقل العلاقة من تعاون دفاعي قابل للتوسع أو التراجع، إلى التزام جماعي تجاه أي اعتداء، ومن هنا تصبح مسألة انضمام مصر أكثر حساسية، لأنها لا تتعلق فقط بحجم القوة العسكرية المصرية، بل بطبيعة الدور الذي تريد القاهرة أن تلعبه في أي منظومة أمنية جديدة.

قراءة في الرسالة الإقليمية للاتفاق

قال محمد الدسوقي، المحاضر في الأمن القومي والدراسات الاستراتيجية، إن الاتفاق يعكس بداية بناء أمن المنطقة بعيدًا عن الاعتماد الحصري على الغرب، مضيفًا أن انضمام ثلاث قوى إقليمية ذات ثقل سياسي وعسكري وجغرافي يمثل خطوة باتجاه منظومة ردع جماعي.

وتزداد أهمية هذه القراءة مع الإشارة إلى مواقع الدول الثلاث، فالسعودية تمثل ركيزة أساسية في الخليج، وتركيا قوة إقليمية كبرى وعضو في حلف الناتو، بينما تمتلك باكستان قوة عسكرية كبيرة وقدرات نووية، ووفق طرح الدسوقي فإن موقع هذه الدول بالنسبة لإيران يمنح الاتفاق وزنًا ردعيًا واضحًا، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن القاهرة ستتعامل معه من زاوية واحدة، لأن مصر توازن عادةً بين علاقاتها العربية والدولية ومصالحها المباشرة.

ماذا قد يضيف انضمام مصر؟

إذا قررت القاهرة الانضمام، فسيمنح ذلك الاتفاق ثقلاً عربيًا إضافيًا، نظرًا لموقع مصر الجغرافي الرابط بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، وتحكمها في قناة السويس، وامتلاكها ثقلًا سياسيًا عربيًا وأفريقيًا، إلى جانب علاقاتها المتعددة مع الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والصين والهند وتركيا ودول الخليج، بحسب ما أشار إليه الدسوقي.

لكن القيمة الأهم لا ترتبط بمجرد إضافة دولة كبيرة إلى الاتفاق، بل بما إذا كانت مصر ستشارك في صياغة قواعد النظام الأمني الإقليمي الجديد، أو ستفضل البقاء في موقع المراقب الحذر حتى تتضح حدود الالتزامات، وطبيعة التوازنات التي قد تنتج عن الاتفاق خلال المرحلة المقبلة.

الحديث عن احتمال انضمام مصر إلى اتفاق مكة لا يزال في نطاق التوقعات والتقديرات، طالما لم يصدر موقف رسمي من القاهرة، لكن النقاش يكشف أن المنطقة تتحرك نحو ترتيبات أمنية أكثر تعقيدًا، وأن مصر ستكون جزءًا من الحسابات سواء انضمت أم اختارت التريث، ما يجب مراقبته لاحقًا هو صدور موقف مصري واضح، وطبيعة أي مشاورات إضافية مع أطراف الاتفاق، ومدى قدرة القاهرة على تحويل تعدد علاقاتها إلى موقع تأثير مستقل داخل أي منظومة إقليمية جديدة.

المصدر: العربية – بيان وزارة الخارجية المصرية

Amr Sayed
عن الكاتب

Amr Sayed

كاتب في الموقع، يشارك في تغطية الأخبار والتقارير والتحليلات.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *