أعلن البيت الأبيض أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب استخدم آلية نادرة تعرف باسم “الحجب الجيبي” أو Pocket Rescission لحجب مئات الملايين من الدولارات من أموال سبق أن أقرها الكونجرس، في خطوة أعادت الجدل داخل واشنطن حول حدود صلاحيات الرئيس في وقف إنفاق اعتمده المشرعون وتقول الإدارة إن القرار يستهدف ما تصفه بإنفاق حكومي “مهدر أو ضار”، بينما اعتبر مشرعون من الحزبين أن الإجراء يتجاوز سلطة الكونجرس على الموازنة.
ما الذي قرره البيت الأبيض؟
بحسب بيان البيت الأبيض، تشمل الخطوة حجب تمويل من عدة برامج اتحادية، أبرزها مخصصات مرتبطة بخدمات تقدمها وزارة الصحة والخدمات الإنسانية للاجئين وطالبي اللجوء وغيرهم من غير المواطنين، إلى جانب برامج في وزارات التعليم والعدل والإسكان والتنمية الحضرية وجهات أخرى.
وتحدثت تقارير أميركية عن أن إجمالي الحزمة يبلغ نحو 810 ملايين دولار، رغم أن البيت الأبيض قدمها سياسيًا باعتبارها قريبة من مليار دولار ضمن إجراءات أوسع لخفض الإنفاق.
ما معنى “الحجب الجيبي”؟
الحجب الجيبي هو أن يطلب الرئيس من الكونجرس إلغاء أموال سبق تخصيصها قرب نهاية السنة المالية، بحيث لا يبقى أمام الكونجرس وقت كافٍ للتصرف قبل انتهاء صلاحية هذه الأموال وبحسب مكتب المحاسبة الحكومية الأميركي GAO، فإن الكونجرس لديه فترة للنظر في طلبات الإلغاء، لكن إرسال الطلب في وقت متأخر جدًا قد يؤدي عمليًا إلى منع استخدام الأموال دون موافقة تشريعية فعلية.
ولهذا السبب تدور الأزمة حول سؤال دستوري وسياسي مباشر: هل يملك الرئيس حق تعطيل أموال أقرها الكونجرس إذا لم يوافق المشرعون على إلغائها؟ أم أن ذلك يمثل التفافًا على سلطة الكونجرس في تخصيص الأموال؟
البرامج التي يشملها خفض التمويل
يوضح الجدول التالي أبرز البنود التي وردت في إعلان الإدارة والتقارير الأميركية عن حزمة الحجب:
| الجهة أو البرنامج | قيمة التمويل المستهدف | ما تقوله الإدارة عن سبب الحجب |
|---|---|---|
| خدمات وزارة الصحة والخدمات الإنسانية لغير المواطنين | 567 مليون دولار | ترى الإدارة أن هذه الأموال لم تعد ضرورية بالمستوى السابق بسبب تراجع الهجرة غير النظامية، وتصف بعض البرامج بأنها تدعم خدمات للمهاجرين غير المواطنين |
| برامج تعليمية للطلاب المهاجرين | 25 مليون دولار | تقول الإدارة إن التمويل يذهب لبرامج مخصصة للطلاب المهاجرين |
| برامج تابعة لوزارة العدل | 15 مليون دولار تقريبًا | يرتبط جزء منها بمكتب أو برامج تقول الإدارة إنها لم تعد ضرورية |
| برامج أخرى في الإسكان والتنمية الحضرية وجهات اتحادية مختلفة | مبالغ متفاوتة | تشمل خدمات أو منحًا ترى الإدارة أنها تدخل ضمن إنفاق غير ضروري أو محل اعتراض سياسي |
هذه الأوصاف تعكس موقف الإدارة الأميركية من البرامج المستهدفة، ولا تعني أن توصيف البيت الأبيض لها يمثل تقييمًا مستقلًا لطبيعة هذه البرامج أو أثرها.
لماذا يثير القرار غضبًا في الكونجرس؟
الخلاف لا يتعلق فقط بنوع البرامج التي تم استهدافها، بل بطريقة حجب الأموال نفسها، فالكونجرس هو الجهة التي تقر الاعتمادات المالية، وعندما توقف السلطة التنفيذية إنفاق أموال مخصصة بالفعل، تظهر مشكلة تتعلق بتوازن الصلاحيات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
وقالت السيناتور الجمهورية سوزان كولينز، رئيسة لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ، إن الكونجرس لم يتلقَ تحذيرًا أو تشاورًا مسبقًا بشأن الخطوة، ووصفت الإجراء بأنه غير قانوني، مؤكدة أنها ستعمل مع زملائها للتعامل معه، كما نقلت تقارير أميركية اعتراضات من مشرعين ديمقراطيين وجمهوريين على استخدام هذه الآلية.
موقف البيت الأبيض من الاعتراضات
البيت الأبيض يدافع عن الإجراء باعتباره استخدامًا لصلاحيات يراها متاحة للرئيس بموجب قانون مراقبة الحجز المالي، ويقول إن الهدف هو وقف إنفاق لا تراه الإدارة ضروريًا أو مناسبًا، كما ربط البيان جزءًا من الحجب بتراجع أعداد العابرين بصورة غير قانونية عند الحدود الجنوبية للولايات المتحدة.
لكن مكتب المحاسبة الحكومية الأميركي يرى أن قانون مراقبة الحجز المالي لا يمنح الرئيس سلطة استخدام الحجب الجيبي بطريقة تؤدي إلى انتهاء صلاحية الأموال قبل أن يتمكن الكونجرس من التعامل مع الطلب.
لماذا التوقيت مهم؟
تنتهي السنة المالية الفيدرالية في الولايات المتحدة يوم 30 سبتمبر، ولذلك يصبح توقيت إرسال طلب الحجب عنصرًا حاسمًا، فإذا جاء الطلب قبل نهاية السنة المالية بأيام قليلة فقط، يصبح من الصعب على الكونجرس التصويت أو اتخاذ إجراء فعال قبل أن تنتهي صلاحية الأموال.
هذا هو جوهر “الحجب الجيبي”: الأموال لا تُلغى عبر تصويت تشريعي مباشر، لكنها قد لا تُنفق لأن الوقت ينتهي قبل أن يستطيع الكونجرس التعامل مع القرار ولهذا تعتبره جهات رقابية ومشرعون طريقة مثيرة للجدل في إدارة الموازنة.
هل استخدم ترامب هذه الآلية من قبل؟
ليست هذه المرة الأولى التي تلجأ فيها إدارة ترامب إلى هذه الآلية، فقد استخدمتها سابقًا لحجب مليارات الدولارات من أموال مخصصة للمساعدات الخارجية، وهي خطوة وصلت إلى المحكمة العليا ضمن نزاع قضائي حول حدود سلطة الإدارة في تجميد أو منع إنفاق الأموال التي أقرها الكونجرس.
لكن الإجراء الحالي يختلف في طبيعته؛ لأنه يستهدف بصورة أكبر برامج داخلية مرتبطة بالهجرة والتعليم والإسكان والخدمات الحكومية، وليس مساعدات خارجية فقط وهذا قد يفتح بابًا أوسع للخلاف السياسي والقانوني داخل الكونجرس.
ما الذي يجب متابعته الآن؟
المسار المقبل سيتوقف على رد الكونجرس، وما إذا كان المشرعون سيتخذون إجراءً تشريعيًا أو رقابيًا ضد القرار، كما ستتجه الأنظار إلى أي طعون قانونية محتملة، خاصة أن الخلاف حول “الحجب الجيبي” ليس جديدًا، لكنه عاد الآن في توقيت حساس قبل نهاية السنة المالية.
في النهاية، لا يدور الجدل حول مبلغ 810 ملايين دولار فقط، بل حول من يملك الكلمة الأخيرة في إنفاق الأموال العامة داخل النظام الأميركي: الرئيس الذي يريد وقف التمويل، أم الكونجرس الذي سبق أن أقره ولهذا تبدو الخطوة أكبر من قرار موازنة محدود، لأنها تمس واحدة من أكثر نقاط الصراع حساسية بين البيت الأبيض والكونجرس.