رجّح مصدر دبلوماسي في أديس أبابا أن تكون طائرات مسيرة صغيرة وراء الانفجارات التي سمعت قرب مقر قيادة الجيش الإثيوبي وقاعدة عسكرية أخرى في العاصمة، في تطور يأتي بالتزامن مع تصاعد القتال بين القوات الاتحادية وتحالف من الجماعات المسلحة في شمال إثيوبيا.
لكن حتى الآن، لا يوجد تأكيد رسمي إثيوبي لطبيعة الانفجارات أو الجهة المسؤولة عنها، كما لم تتوافر أدلة مستقلة حاسمة تثبت أن مقر الجيش تعرض بالفعل لضربة ناجحة بطائرة مسيرة وذكرت رويترز أن ثلاثة مصادر دبلوماسية أكدوا سماع انفجارات في العاصمة، بينما قال مصدر مرتبط بالتحالف المعارض إن مسيّرات استهدفت مواقع عسكرية، وهي رواية لم تتمكن الوكالة من التحقق منها بشكل مستقل.
ماذا حدث قرب مقر الجيش في أديس أبابا؟
سمع سكان ومصادر دبلوماسية انفجارات خلال ليل الأربعاء إلى الخميس في العاصمة الإثيوبية، من بينها انفجارات قرب منطقة تور هايلوخ التي يوجد بها مقر قوات الدفاع الوطني الإثيوبية.
وقال مصدر دبلوماسي لوكالة فرانس برس إن السيناريو الأكثر ترجيحًا بالنسبة إليه هو استخدام طائرات مسيّرة صغيرة، لكنه أقر بعدم وجود صور أو تأكيد مستقل يسمح بالجزم بسبب الانفجارات وأشار المصدر إلى أن قاعدة عسكرية أخرى في العاصمة ربما تعرضت لهجوم بصورة شبه متزامنة.
وفي رواية أكثر تفصيلًا، نقل موقع مدى مصر عن مصدر أمني إثيوبي قوله إن الدفاعات الجوية رصدت محاولة استهداف منشآت حيوية في العاصمة بطائرات مسيّرة، من بينها مقر قيادة الجيش ومنطقة عسكرية أخرى وتبقى هذه التفاصيل منسوبة للمصدر ولم يصدر بيان علني مفصل من الجيش الإثيوبي يؤكدها.
لماذا لا يمكن اعتبار الهجوم مؤكدًا حتى الآن؟
التمييز بين الانفجار المؤكد وسبب الانفجار مهم في هذه الواقعة.
المتاح حتى الآن يؤكد سماع انفجارات في أديس أبابا من خلال عدة مصادر مستقلة، لكن تحديد ما إذا كانت طائرات مسيّرة قد أصابت أهدافها، أو تم اعتراضها قبل الوصول إليها، لا يزال محل تقارير وتحليلات.
مشروع «Critical Threats Project» قال إن هجمات مشتبهًا بها بطائرات مسيّرة استهدفت مواقع في العاصمة، من بينها مقر الجيش، لكنه أشار إلى أنه لم يتمكن من إثبات أضرار مرئية اعتمادًا على صور الأقمار الصناعية منخفضة الدقة التي راجعها.
وبالتالي، الصياغة الأدق في الوقت الحالي هي أن مصادر ترجح أو تتحدث عن هجوم بمسيّرات، وليس أن نتيجة التحقيق أثبتت بالفعل تنفيذ ضربة ناجحة ضد مقر قيادة الجيش.
ما طائرات FPV التي ورد اسمها في التقارير؟
رجّح المصدر الدبلوماسي الذي تحدث لوكالة فرانس برس استخدام طائرات من فئة FPV أو First-Person View.
وهي طائرات مسيّرة صغيرة يشاهد مشغلها مسار الطيران من خلال كاميرا مثبتة عليها، وظهرت على نطاق واسع في نزاعات مسلحة حديثة بسبب انخفاض تكلفتها مقارنة بالأنظمة العسكرية الأكبر وإمكانية تكييف بعض النماذج لأغراض عسكرية.
ولا يعني وصف الطائرة بأنها FPV أنها تعمل بالضرورة عبر الألياف البصرية؛ فهناك نماذج تعمل بالاتصال اللاسلكي التقليدي وأخرى تستخدم أليافًا بصرية لمقاومة التشويش الإلكتروني وتشير تقارير سابقة عن قطاع المسيّرات في إثيوبيا إلى وجود نماذج FPV مختلفة، بعضها يمكن التحكم فيه عبر الألياف البصرية.
وده توضيح مهم لأن مصطلح «FPV» يصف بصورة أساسية طريقة القيادة والرؤية، وليس نظام الاتصال المستخدم في كل طائرة من هذا النوع.
هجمات سابقة سبقت انفجارات العاصمة
الاشتباه في استخدام المسيرات في أديس أبابا لم يظهر من فراغ.
فبحسب بيانات ACLED، شهد يوم 27 سبتمبر هجمات بمسيرات استهدفت مواقع تابعة لقوات الدفاع الإثيوبية، بينها منشأة للقوات الجوية في بيشوفتو ومطار كومبولتشا وقاعدة قرب مطار بحر دار.
كما أفاد «Critical Threats Project» بوقوع سلسلة ضربات استهدفت منشآت جوية وعسكرية خارج العاصمة، مع بقاء بعض التفاصيل المتعلقة بالأضرار والجهة المنفذة غير مؤكدة بصورة مستقلة.
وقبل انفجارات أديس أبابا، أعلنت أجهزة الأمن الإثيوبية حظر تحليق الطائرات المسيّرة بجميع أنواعها فوق العاصمة ومحيطها لأسباب أمنية، وهو إجراء اكتسب أهمية إضافية بعد سماع الانفجارات بساعات.
لماذا سيكون وصول المسيّرات إلى أديس أبابا تطورًا مهمًا؟
إذا تأكد أن جماعات مسلحة معارضة نجحت في إرسال مسيّرات إلى أهداف عسكرية داخل أديس أبابا، فإن أهمية الواقعة لا ترتبط فقط بحجم الأضرار التي أحدثتها.
المسافة بين جبهات القتال الرئيسية والعاصمة تعني أن استخدام المسيّرات بهذه الصورة سيشير إلى اتساع جغرافي في نطاق الصراع وقدرة الجماعات المسلحة على تهديد منشآت بعيدة عن خطوط المواجهة التقليدية.
ويرى «Critical Threats Project» أن حملة الهجمات المبلغ عنها قد تستهدف إجبار القوات الاتحادية على توزيع قدراتها بين حماية العاصمة والمنشآت الحيوية وبين مواصلة عملياتها العسكرية في الشمال، كما يمكن أن يكون الهدف إظهار قدرة الجماعات المسلحة على نقل الضغط إلى مناطق بعيدة عن تيغراي وأمهرة وعفر.
ومع ذلك، يظل هذا تحليلًا للهدف المحتمل للحملة وليس بيانًا صادرًا عن منفذي الهجمات.
القتال في تيغراي يعيد مخاوف الحرب الواسعة
يأتي تطور أديس أبابا في وقت تشهد فيه شمال إثيوبيا أكبر موجة تصعيد منذ انتهاء الحرب التي دارت بين الحكومة الاتحادية وقوات تيغراي بين عامي 2020 و2022
القوات الحكومية تشن حاليًا هجومًا مضادًا باتجاه ميكيلي، عاصمة إقليم تيغراي، بعد تجدد المواجهات وسيطرة أطراف مختلفة على مدن ومناطق خلال الأيام الماضية وتقول رويترز إن القتال المتصاعد أعاد المخاوف من تحول المواجهة إلى نزاع أوسع يمتد تأثيره إلى دول الجوار.
كما أن الأزمة لم تعد عسكرية فقط؛ فقد ترافقت مع توترات دبلوماسية حادة بين إثيوبيا وإريتريا، إلى جانب خلاف دبلوماسي مع مصر واتهامات إثيوبية لأطراف خارجية بدعم خصوم الحكومة، وهي اتهامات نفتها الدول المعنية.
ماذا نعرف حتى الآن؟
المؤكد أن انفجارات سمعت في أديس أبابا بالقرب من مواقع عسكرية، وأن إثيوبيا كانت قد حظرت تحليق المسيرات فوق العاصمة قبل الواقعة كما أن هجمات بالمسيرات استهدفت منشآت عسكرية ومطارات في مناطق أخرى من البلاد خلال الأيام السابقة.
أما أن مقر الجيش أصيب بالفعل بمسيّرة، فهو أمر ترجحه مصادر وتقارير لكنه لم يحصل بعد على تأكيد علني مستقل ونهائي.
ولا تزال الجهة التي نفذت الهجوم، وطبيعة الطائرات المستخدمة، وحجم الأضرار، من النقاط التي تحتاج إلى معلومات إضافية أو إعلان رسمي قبل التعامل معها باعتبارها حقائق محسومة.
وإذا أثبتت التحقيقات أن مسيّرات تابعة لقوات معارضة وصلت بالفعل إلى أهداف عسكرية داخل العاصمة، فسيكون ذلك مؤشرًا مهمًا على تغير طبيعة المواجهة في إثيوبيا وانتقال جزء من الصراع من الجبهات الشمالية إلى عمق البلاد.
المصدر: وكالة فرانس برس – شبكة نجد