تواجه أهرامات مروي في السودان مرحلة حرجة، بعدما كشفت تقارير ميدانية وتصريحات لمسؤولين في قطاع الآثار عن تدهور واضح في الموقع، وصل إلى تساقط أحجار وظهور تشققات وتراكم كثيف للرمال داخل المعابد وحول الأهرامات، أهمية الأزمة لا ترتبط فقط بخطر انهيار بعض الأبنية، بل بما يمكن أن يعنيه ذلك من فقدان جزء من ذاكرة حضارة كوش، في وقت عطلت فيه الحرب أعمال الحفظ والصيانة وقللت من حضور البعثات الأثرية والسياحة.
موقع أثري تحت ضغط الحرب والطبيعة
تقع أهرامات مروي في صحراء البجراوية بولاية نهر النيل شمال السودان، على بعد نحو 200 كيلومتر شمال الخرطوم، وتعد من أبرز الشواهد الباقية على حضارة كوش التي ازدهرت في وادي النيل قبل آلاف السنين ووفق المعلومات المتاحة، يضم الموقع أكثر من 200 هرم ومقبرة ملكية، إلى جانب معابد ومنشآت مرتبطة بمدينة مروي الملكية، وقد أدرجته اليونسكو على قائمة التراث العالمي عام 2011.
لكن الموقع الذي صمد قرونًا طويلة أمام عوامل الزمن يواجه اليوم مزيجًا معقدًا من التهديدات، فالحرب التي اندلعت في السودان في أبريل 2023 عطلت أعمال الحفظ، وأضعفت حركة السياحة، وغيّبت البعثات الأثرية، وجعلت الوصول إلى المواقع وتنفيذ أعمال الترميم أكثر صعوبة وفي الوقت نفسه، تواصل الرمال والرياح والأملاح عملها البطيء على أحجار هشة تحتاج إلى متابعة مستمرة.
ماذا كشفت المعاينات الأخيرة؟
بحسب تقرير ميداني نشرته وكالة أسوشييتد برس في السادس من أغسطس الحالي، ظهرت علامات التدهور بوضوح في الموقع، مع تراكم الرمال حول الأهرامات وداخل المعابد، ونمو النباتات، وتأثر الأحجار والنقوش بالأملاح وعوامل التعرية وقال حارس الموقع مصطفى أحمد إن الرمال ازدادت بشكل كبير على الأهرامات وحتى داخل المعابد، مشيرًا إلى أن العشب ينمو بكثافة.
وتحمل شهادته جانبًا أكثر خطورة حين قال إن الأهرامات تدهورت بشكل كبير، وأن الأحجار بدأت في التساقط، هذه العبارة تكشف أن الخطر لم يعد محصورًا في مظاهر سطحية يمكن التعامل معها لاحقًا، بل وصل إلى بنية بعض الأهرامات نفسها، وهو ما يجعل تأخر التدخل عاملًا قد يزيد كلفة الإنقاذ لاحقًا.

الرمال ليست مشكلة شكلية فقط
قد تبدو الرمال حول موقع أثري في الصحراء أمرًا طبيعيًا، لكنها في حالة مروي تتحول إلى تهديد مركب، لأنها تتراكم داخل المنشآت وحول الجدران، ويمكن أن تحتفظ بالرطوبة وتساعد على زيادة تأثير الأملاح في الحجر الرملي وقال محمد مبارك، مفتش الآثار، إن الأملاح الناتجة عن تراكم الرمال تجمعت داخل المعابد الجنائزية، وبدأت تؤثر في الأحجار الهشة بطبيعتها، بما يهدد بتآكل النقوش القديمة.
تآكل النقوش لا يعني خسارة جمالية فقط، بل فقدان مصدر معرفي عن الحياة السياسية والدينية في مملكة كوش، فكل نقش يتضرر قد يحمل معلومة لا يمكن تعويضها، وكل طبقة من التلف تضعف قدرة الباحثين لاحقًا على قراءة تفاصيل الموقع وفهم سياقه الحضاري.
تحذير من كارثة محتملة
حذر عالم الآثار محمود سليمان، مدير عام الهيئة القومية للآثار والمتاحف بالسودان، في تصريحات لـ”العربية.نت/الحدث.نت”، من أن الموقع قد يواجه كارثة وأن الانهيارات ممكنة، رابطًا جانبًا من التدهور بتغير المناخ والحرب التي أدت إلى تشتت قوة العمل وصعوبة استمرار البعثات الأجنبية في ظل الاضطراب الأمني.
وأوضح سليمان أن غياب العامل في برنامج الدورية والمراقبة، إلى جانب التغيرات المناخية الكبيرة، يعدان من أبرز المشكلات التي تواجه أهرامات ومواقع البجراوية، كما أشار إلى أن ارتفاع معدلات الأمطار خلال الفترات القريبة تزامن مع زحف الرمال وتراكم الكثبان حول الأهرامات، فيما تؤثر الرياح مباشرة في الحجر الرملي، وفي النقوش والترسبات الموجودة على جدران الأهرامات.
من التشققات إلى خطر الفقدان
بحسب سليمان، لا تعاني كل الأهرامات المشكلة نفسها، فلكل هرم وضعه المعماري الخاص، إذ تعاني بعض الأهرامات من تشققات، بينما تواجه أخرى تسرب مياه الأمطار إلى داخل جسم الهرم، وتشهد أهرامات أخرى تساقطًا للحجارة وتكمن الخطورة في أن اجتماع هذه العوامل قد يؤدي، إذا غابت الإجراءات الوقائية الحقيقية، إلى فقدان بعض الأهرامات في المستقبل.
وخص سليمان أهرامات المجموعة الغربية بالذكر، موضحًا أن وضعها سيئ جدًا، وأنها أصغر حجمًا من أهرامات الجبانة الشمالية لكنها أكثر عددًا، إذ يوجد أكثر من 100 هرم في منطقة واحدة، هذا العدد الكبير يجعل الحماية والصيانة أكثر تعقيدًا، لأن التعامل مع موقع واسع ومتناثر يحتاج إلى فرق متابعة منتظمة وموارد كافية، وهما عنصران تأثرا بوضوح بسبب الحرب.
لماذا تتجاوز الأزمة حدود السودان؟
أهرامات مروي ليست مجرد معلم محلي، بل جزء من سجل حضاري إنساني مرتبط بتاريخ وادي النيل ومملكة كوش ولذلك فإن تدهورها يمثل خسارة محتملة للتراث العالمي، خاصة أن اليونسكو حذرت، بحسب المعلومات المتاحة، من أن نقص الموارد يعوق أعمال الصيانة والحفظ الضرورية في الموقع، في وقت تعد الرمال المتراكمة حول المقابر الملكية من أبرز التهديدات القائمة.
القضية هنا لا تتعلق فقط بإنقاذ أحجار قديمة، بل بحماية مصدر تاريخي يشرح جانبًا من تطور الدولة والدين والعمارة في المنطقة وحين تتوقف أعمال الصيانة لفترة طويلة، لا ينتظر التلف انتهاء الحرب، بل يتقدم بهدوء عبر شقوق صغيرة ورطوبة وأملاح وتساقط جزئي، حتى يصبح الإصلاح لاحقًا أكثر صعوبة.
تكشف أزمة أهرامات مروي أن التراث لا ينهار فجأة دائمًا، بل قد يفقد أجزاءه بصمت حين تتراجع المراقبة وتتوقف الصيانة وتتحالف الحرب مع عوامل الطبيعة وما يجب متابعته الآن هو قدرة الجهات السودانية والدولية على توفير إجراءات وقائية عاجلة، قبل أن تتحول التشققات وتساقط الأحجار وتآكل النقوش إلى فقدان دائم لجزء من إرث مملكة كوش.