الجولة المقبلة من محادثات لبنان وإسرائيل، المرتقبة مطلع سبتمبر/أيلول بحسب مسؤول أميركي تحدث لـ”العربية إنجليزي”، لا تبدو مجرد موعد دبلوماسي جديد، بل اختبارًا لقدرة الوساطة الأميركية على إبقاء المسار قائمًا رغم الخلافات الأمنية والسياسية المتراكمة، أهمية التطور لا تكمن في انعقاد الجولة فقط، بل في الملفات التي تُطرح حولها، من الانسحاب وإزالة الألغام إلى إعادة الإعمار ودور حزب الله في المشهد وكانت جولة سابقة من المحادثات التي تسهلها الولايات المتحدة قد بدأت في روما في 4 أغسطس، وفق ما نقلته رويترز عن وزارة الخارجية الأميركية.
موعد جديد وسط توتر قائم
قال المسؤول الأميركي، وفق المعلومات المتاحة، إن واشنطن تتوقع عقد الجولة المقبلة من المباحثات بين لبنان وإسرائيل في مطلع سبتمبر/أيلول، مع الإشارة إلى تفاؤل أميركي بمسار التفاوض رغم الاعتراف بوجود صعوبات واضحة، هذه الصياغة تكشف أن واشنطن لا تتعامل مع المسار باعتباره اتفاقًا قريبًا، بل كعملية تفاوضية تحتاج إلى إدارة مستمرة للتوترات.
التطور يأتي بعد أن أفادت هيئة البث الإسرائيلية بتأجيل تحديد موعد الجولة المقبلة، على خلفية تصاعد التوتر بين الجانبين وبحسب ما نُقل عنها، فإن الجانب اللبناني يرفض عقد جولة قريبة احتجاجًا على ما وصفه بعدم توسيع المناطق التي يفترض أن تنسحب منها إسرائيل، هذه النقطة تحديدًا تجعل ملف الانسحاب محورًا حاسمًا في أي جولة مقبلة، لأنها ترتبط مباشرة بمسألة الثقة بين الطرفين.
الألغام والإعمار.. ملفات تقنية تحمل بعدًا سياسيًا
من بين النقاط اللافتة في تصريحات المسؤول الأميركي حديثه عن بحث إمكانية إسناد مهام إزالة الألغام إلى طرف ثالث، ظاهريًا يبدو الملف تقنيًا وأمنيًا، لكنه عمليًا يحمل بعدًا سياسيًا؛ لأن اختيار طرف ثالث يعني محاولة تقليل الاحتكاك المباشر بين لبنان وإسرائيل في منطقة حساسة، وفتح مساحة لتنفيذ إجراءات ميدانية دون تحويل كل خطوة إلى أزمة تفاوضية.
كما أشار المسؤول إلى أن الولايات المتحدة عقدت مباحثات منفصلة مع الوفد اللبناني بشأن ملف إعادة الإعمار، وأن هذا الملف نوقش بعيدًا عن المباحثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، فصل ملف الإعمار عن مسار التفاوض الأمني قد يكون هدفه منع تعطيل الاحتياجات اللبنانية الداخلية بسبب الخلافات الحدودية، لكنه في الوقت نفسه يوضح أن واشنطن تنظر إلى الملف اللبناني من زاويتين: تثبيت ترتيبات أمنية، واحتواء آثار الصراع على الداخل اللبناني.
لماذا يصعب تثبيت مسار التفاوض؟
العقبة الأساسية لا تبدو مرتبطة بموعد الجولة فقط، بل بسؤال أوسع: ما الذي يمكن أن يخرج به الطرفان إذا بقي الخلاف قائمًا حول مناطق الانسحاب؟ فوفق المعلومات المتاحة، لم تسفر الجولة السابعة التي اختتمت في 6 أغسطس عن اتفاق بشأن المنطقة التالية للانسحاب، رغم أنها تناولت ملفات مرتبطة بتنفيذ اتفاق “صيغة الإطار” المبرم في 26 يونيو/حزيران.
هذا يعني أن التفاوض يتحرك، لكنه لا يحسم بعد أهم نقطة عملية على الأرض وفي مثل هذه الحالة، يصبح كل اجتماع جديد مهمًا بقدر ما ينجح في تحويل العناوين العامة إلى خطوات تنفيذية واضحة، من دون تقدم في ملف الانسحاب، ستبقى الملفات الأخرى مثل إزالة الألغام والإعمار معرضة للتعطيل أو التأجيل.
دور حزب الله في حسابات واشنطن
قال المسؤول الأميركي إن حزب الله لا يزال يحاول عرقلة مسار المباحثات بين لبنان وإسرائيل في المقابل، تشير المعلومات المتاحة إلى أن الحزب يرفض بشكل مطلق التفاوض المباشر مع إسرائيل أو التخلي عن سلاحه، لذلك فإن أي تقدم تفاوضي لا يتوقف فقط على ما يدور داخل قاعة المباحثات، بل أيضًا على قدرة الدولة اللبنانية على التعامل مع التوازنات الداخلية المرتبطة بهذا الملف.
كما قدمت إسرائيل احتجاجًا إلى الولايات المتحدة بشأن أنشطة الجيش اللبناني، مدعية أن تحركاته تتم بالتنسيق مع حزب الله، لم يتسن التأكد من هذه المزاعم من مصدر مستقل ضمن المعلومات المتاحة، ولذلك تبقى في إطار الادعاء الإسرائيلي إلى حين صدور توضيحات أو أدلة إضافية.
ما الذي يجب مراقبته قبل سبتمبر؟
قبل الجولة المرتقبة، سيكون المؤشر الأهم هو ما إذا كان الطرفان سيقتربان من تفاهم حول المنطقة التالية للانسحاب، أم أن الجولة ستتحول إلى محطة جديدة لتبادل الشروط، كذلك سيكون ملف إزالة الألغام اختبارًا عمليًا لفكرة الطرف الثالث، لأنه قد يقدم صيغة قابلة للتطبيق في مناطق النزاع دون اعتراف سياسي مباشر يتجاوز حدود التفاوض الحالي.
أما ملف إعادة الإعمار، فيبدو أنه سيظل مسارًا موازيًا، لكنه لا ينفصل تمامًا عن الأمن، فكلما بقي التوتر قائمًا على الحدود، تراجعت فرص تحويل وعود الإعمار إلى خطوات ملموسة، لذلك فإن الجولة المقبلة لن تقاس فقط ببيانها الختامي، بل بما إذا كانت ستحدد خطوات تنفيذية واضحة قبل الدخول في دورة جديدة من التصعيد السياسي والإعلامي.
الجولة الجديدة من محادثات لبنان وإسرائيل، إذا عقدت مطلع سبتمبر، ستكون محطة لقياس جدية المسار الأميركي أكثر من كونها موعدًا بروتوكوليًا، الملفات المطروحة تكشف أن التفاوض انتقل من العموميات إلى التفاصيل الحساسة: الانسحاب، الألغام، الإعمار، ودور حزب الله وما لم تظهر صيغة عملية للتعامل مع هذه الملفات، سيبقى التفاؤل الأميركي محكومًا بحجم التقدم على الأرض لا بحجم التصريحات.
المصدر: العربية